الناس فقيرة وموجوعة وغاضبة والشارع هو سبيلها الوحيد للتعبير عن هذا الاشمئزاز التي وصلت اليه من جراء عجز الحكومة عن اتخاذ اي اصلاح يعزز الثقة لديهم ولدى المجتمع الدولي فتصبح فرص لبنان في الحصول على مساعدات مالية اكبر. في الوقت ذاته، على الثوار ان يضعوا مشروعاً اصلاحياً خاصاً بهم فيفاوضوا على اساسه السلطة لانه لا يجب ان ينتظروا من السياسيين ان يعطوهم حقوقهم خاصة ان السلطة السياسية البالية سقطت وفشلت مراتاً عدة في الاستجابة لشجون الناس.

والامر الذي بات واضحا ان اميركا تحرص على عدم تدفق الدولار الى الاسواق اللبنانية وهي تواصل تضييق الخناق على اللبنانيين شعبا ودولة. وقصارى القول ان الادارة الاميركية على رأسها دونالد ترامب تريد تجويع اللبنانيين وتأزيم الحالة المعيشية الى ان ترى الوقت ان اصبح  مؤاتيا والظروف مناسبة لها لانضاج تسوية ما في الداخل اللبناني.

 اجراءات حقيقية وفعلية مطلوبة من الحكومة

بموازاة ذلك، يبدأ الاختبار للحكومة ولاركان الدولة الاسبوع المقبل في ما يتعلق بموضوع الدولار ذلك ان الحكومة تتهم بانها لم تقدم على اي اجراء فعلي لوقف التهريب او المخلين بالامن. من هنا ،  السؤال الذي يطرح نفسه :هل ستتمكن الحكومة بادواتها وبجديتها من فرملة ارتفاع سعر الدولار  ام لا ؟

ذلك ان  الموضوع مرهون بعناصر عديدة ابرزها:

1- تعاون جدي وحقيقي بين مصرف لبنان والحكومة على ضوء جلسة مجلس الوزراء الاخيرة وما حصل خلالها

2- تنفيذ  الحكومة قراراتها بشكل جدي سواء  على مستوى قمع المخالفين وتوقيفهم ام على مستوى ضبط السوق وفق تعميم مصرف لبنان الاخير . بمعنى اخر ان مصرف لبنان لا يمكن ان يضخ دولاراً دون تحديد الكمية من اجل مصلحة لبنان العليا. وعليه يجب تحديد الكمية التي  يضخها مصرف لبنان يوميا في السوق وفق الاتفاق . فهل هذا الاتفاق سينفذ ام لا؟

يجب ان تقرن الحكومة الاجراءات مع مصرف لبنان بترتيبات مدروسة وعلى الصراف ان يقدم  تبريرا لمصرف لبنان لحاجته لهذه الاموال.

3-  التآلف السياسي داخل الحكومة: في هذا السياق، علمت «الديار» انه حصل اتفاق جدي في اليومين الماضيين انه لا يمكن التعاطي مع الامور بهذه الطريقة والواقع يفرض على القوى السياسية داخل الحكومة ان تتعاون في ما بينها. هذا الامر يدعو الى وقف الخلافات بين  اهل الدولة لان المرحلة خطيرة ولا تسمح بسجالات سياسية معظمها لا طائل منها. وهنا يشار الى ان الرئيس بري لعب دور اًبارزاً في التشديد على وقف الخلافات السياسية داخل الحكومة.

4-  مكافحة الصرافين الذين يتلاعبون بسعر الصرف وهنا علمت «الديار» ان مدير العام للامن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم سيلعب دورا  بارزا في هذا الاطار وقد بدأ للتو فاوقف وضبط 6 صرافين لا يعملون وفق القانون.

5- الاصلاحات الضرورية التي على الحكومة تنفيذها وهي التي ستأتي بالمساعدات المالية للبنان.

6- الرقابة على  اسعار المواد الغذائية: الحكومة  التي رفعت شعار حماية المواد الغذائية فشلت في تحقيق ذلك رغم دعمها بسعر دولار خاص.

 استنزاف مصرف لبنان

بدورها، اعتبرت المعارضة ان تعميم مصرف لبنان بضخ اموال لضبط التفلت يستنزف الاموال الموجودة في مصرف لبنان بما انها تذهب هذه الاموال الى غير اللبنانيين ولا يستفيد منها الشعب اضافة الى ان ذلك بمثابة تهديد للودائع على حد قولها.

وفي الوقت ذاته يرى الخبراء الاقتصاديين ان الشارع تحرك في اليومين الماضيين بناء على شائعات وجهات خبيثة اخافت الناس فنزلت الى الشارع لتعبر عن خوفها وغضبها. والحال ان مصرف لبنان مسؤول عن سلامة واستقرار العملة اللبنانية انما في الوقت ذاته هذه التحركات الشعبية المرتكزة على عواطف وانفعالات قيضت حرية واستقلالية المصرف وعليه اصبح مصرف لبنان  اليوم مجبر على ضخ الدولار  في السوق لطمأنة الناس ووضع حد لسعر الدولار ولكن يعتبر الخبراء الاقتصاديين ان ذلك يستنفد من الاحتياطي الذي يشكل صمام امان للبنانيين في الايام المقبلة التي لا تبدو انها ستكون افضل من هذه الايام.

 لا حلاً نقدياً لارتفاع سعر الدولار

وقالت مصادر اقتصادية ان لا حل نقدي لتفلت سعر الدولار بل عبر وضع خطة اصلاحية حقيقية تسبق اي مفاوضات مع صندوق النقد لانه على ما يبدو ان الحكومة تجري هذه المفاوضات فقط للمفاوضات. واضافت هذه المصادر ان الاصلاحات يجب ان تحصل في الكهرباء والمعابر ووقف الصفقات متسائلة على اي اساس تفاوض الحكومة صندوق النقد الدولي؟

 الخطة الحكومية وتوحيد الارقام 

التمايز بين ارقام مصرف لبنان والمصارف من جهة وارقام الحكومة من جهة اخرى، يظهر ان المشكلة تكمن في تشخيص المرض الذي يضرب جسم الدولة اللبنانية. بيد ان لبنان ينزف ولا تزال الجهتين غير متفقتين على سبب الانهيار المالي كما ان الحكومة تريد تحميل فقط المصارف مسؤولية الاحوال المتردية دون ان تكشف كيفية صرف الديون وخسائر المالية العامة. ويشار الى ان حاكم مصرف لبنان كان قد اعلن في مؤتمر صحافي في رده على رئيس الحكومة ان المصرف دين الدولة ولكنه ليس من صرف الاموال. وعليه، يتساءل القارئ: هل فعلا المصارف ومصرف لبنان هما المسؤولان ام ان الدولة ووزاراتها والهدر الذي حصل فيها تشكل جزءا كبيرا من الفشل المالي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

اليوم، مسألة توحيد الارقام تقع على لجنة المال والموازنة والنائب ابراهيم كنعان المعروف بضميره الوطني يواصل العمل لسد الثغرة ولاعطاء ارقام متشابهة تنطلق منها الحكومة كخطة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. الخطة الحكومية كلها تخضع لموافقة مجلس النواب وهذا الموضوع سيأتي وقته . 

وفي هذا السياق، قال الرئيس بري: «اتفقنا على تخفيض الدولار والذهاب بارقام موحدة الى الصندوق والمجلس يتابع ذلك والعمل لا يزال متواصل».

فهل الشارع والغضب الشعبي يضغطان على السلطة للتحرك باتجاه الاصلاحات ووضع حد للخلافات السياسية وانتقاء نهج ايجابي وليس سلبياً في العمل الحكومي وفي التعامل مع مصرف لبنان للتوصل الى حل يرضي الجميع؟

من جهة اخرى، قالت مصادر وزارية لـ«الديار» ان الرئيس حسان دياب وقوى سياسية في الحكومة تعتمد مقاربة غريبة وهي تعتقد انها بخفض سعر الدولار ستظهر امام صندوق النقد الدولي بانها في وضع لا بأس به وعليه يمكن للبنان ان يفاوض من موقع قوي. انما قوى سياسية اخرى في الحكومة ذاتها ومنها وزير المالية الدكتور غازي وزني يعتمد مقاربة عقلانية ومنطقية وفي جلسات الحكومة يقول للوزراء بان صندوق النقد الدولي على دراية بما يحصل في لبنان ومحاولة الالتفاف على الحقيقة لن تضر الا لبنان وصورته امام صندوق النقد.

 وزير الاقتصاد غائب 

الى ذلك،  يتساءل خبراء اقتصاديون عما حصل بعد كلام وزير الاقتصاد  عن تخصيص اموال للمواد الغذائية من قبل مصرف لبنان لخفض الاسعار؟ للاسف انخفضت بضعة مواد غذائية  كالرز والعدس والسكر بالمقابل باقي المواد الغذائية ارتفعت بشكل لا يصدق بحجة ارتفاع الدولار بطريقة غير طبيعية في غياب تام لاجهزة الدولة. وعليه، يبدو ان وزير الاقتصاد غائب عما يحصل لكنه حاضر فقط في التصريحات وفي الكلام فاين حماية المستهلك واين المراقبة للسوبر الماركت  ولاسعار المواد الغذائية؟ الفوضى تسيطر على السوق والانكى من ذلك انه يتم حجب مواد غذائية لاحتكارها لاحقا ووزير الاقتصاد لا يتحرك ولا يقوم بأي تدبير فعلي وحقيقي على ارض الواقع.

 الاتهامات الظالمة لجمهور حزب الله 

في غضون ذلك، الشغب الذي حصل في اليومين الماضيين ونزول الناس الى الشارع وما رافقه من تكسير وحرق لمحلات تجارية ولمصرف لبناني في بيروت وطرابلس قامت به مجموعات متنوعة ومتعاكسة سياسيا، دفع بالمعارضة الى توجيه اصابع الاتهام لعناصر من جمهور حزب الله وادانة فقط ما حصل يوم الجمعة واستنثاء يوم الخميس من هذه المعمعة. لكن لماذا اتهام حزب الله بهذا الشغب والتوقيفات التي حصلت لم يكن من ضمنها اي عنصر لبناني شيعي او منتسب لحركة امل او حزب الله؟ هذه الاتهامات يجعلها ظالمة بحق جمهور حزب الله كما ان الشغب حدث ايضا في طرابلس، وتقول مصادر أن من نفذ ذلك هم عناصر تابعة للوزير السابق اشرف ريفي فما علاقة حزب الله باحداث طرابلس ولماذا لم تدان من قبل المعارضة؟ فلماذا  الاصرار دائما على اتهام عناصر حزب الله بكل شيء يحصل في لبنان؟

من جهة اخرى، نفت مصادر مقربة من اللواء ريفي تورط اي من عناصره في حملة التخريب في طرابلس مشيرة الى ان اللواء اختار عدم التدخل على الارض ابدا بل اكتفى بتصاريح داعمة للناس الفقيرة.

في هذا النطاق، صرح رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري بعد جولته في الوسط التجاري ان بيروت تنتهك ويعتدى عليها كما ان المفتي دريان استنكر الشغب الذي حصل في بيروت في حين لم نسمع الرئيس سعد الحريري يدين بهذه الوتيرة اعمال التخريب والفوضى التي حصلت في بيروت منذ قرابة شهرين عندما نزل متظاهرين من عكار ومن مناطق شمالية اخرى.

 البطريرك الراعي: المسؤولية تقع على الجميع وليس على شخص واحد

في المقابل، اعلن  البطريرك الراعي من قصر بعبدا رفضه تحميل شخص واحد مسؤولية انزلاق البلاد الى هذه الحالة الفوضوية وتراجع الاوضاع الاقتصادية والمالية .

 القوات اللبنانية: الاصلاح هو مفتاح  الحصول على الدولار لانقاذ لبنان 

من جهتها، قالت مصادر قواتية للديار بان السياسات الفاشلة المعتمدة من قبل الحكومة لم تترك المجال امام الناس سوى التظاهر واستخدام الشارع. ذلك ان الناس موجوعة وفقيرة وخائفة على مصيرها وعلى حاضرها ومستقبلها في ظل رؤيتها لهذا العجز المتمادي عن الاقدام على اي خطوة ممكن ان تساهم في فرملة الانهيار وتصحيح الوضع المالي. امام هذا الواقع لم يعد امام الناس شيئا لتخسره سوى استخدام الشارع للتعبير عن رفضها لانزلاق لبنان من السيىء الى الاسوأ وبالتالي لا يمكن اقناع الناس بعدم التظاهر والخروج من الشارع. وشددت المصادر القواتية ان التظاهر هو حرية يكفلها الدستور انما ادانت في الوقت ذاته التخريب واستهجنت ذلك حيث يبدو ان هناك من يريد التخريب بشكل منهجي وعن سابق تصور وتصميم بعيدا عن ما تشعر به الناس من ألم ووجع.

بالنسبة لتدخل مصرف لبنان للجم تفلت الدولار، رأت المصادر القواتية ان هناك تداول كثيف حصل في المدة الاخيرة قامت مجموعات من سوريا بشراء الدولار من لبنان استباقا لقانون القيصر والوضع الذي سيؤول اليه الوضع السوري بعد هذا القانون. من هنا تعتبر القوات اللبنانية ان ضخ مصرف لبنان الدولارات لا يؤدي الى نتيجة ايجابية بل سلبية لانه يؤدي الى انتقاص ما تبقى من الاحتياطي لدعم المواد الاساسية المحتاج اليها الشعب اللبناني.

 ولفتت المصادر القواتية ان الاصلاح من قبل الحكومة هو المطلوب وليس ضخ الدولارات من مصرف لبنان ذلك ان الاصلاحات هي المفتاح للحصول على العملة الصعبة من الخارج الى لبنان. واكدت المصادر القواتية ان من اوصل لبنان الى الانهيار لا يملك قدرة اخراج لبنان من ذلك من هنا يجب كف يد فريق معين عن السلطة من اجل انقاذ لبنان.

 التقدمي الاشتراكي: احباط الناس  هو ما دفعها للنزول للشارع

قال الاستاذ نشأت حسنية ان المظاهرات التي حصلت في اليومين الماضين امر  طبيعي كردة فعل على العقلية التي تدار بها البلاد. ويبدو الرئيس دياب انه يمثل مصالح اطراف سياسية تتحكم بقراراته اضافة الى التخبط بشؤون ادارة البلد واستعانة حكومة المستشارين بمستشارين اخرين ليزيدوا الفشل في  معالجة الازمة المالية والاقتصادية. وتابع حسنية ان لا رؤية واضحة  للحكومة  ولا خطة اقتصادية اصلاحية وبالتالي من حق الناس ان تنتفض وان تعبر عن غضبها واحباطها.

 هل فتح المطار قريبا يحسن الاوضاع في لبنان؟

تقول اوساط سياسية انه اذا تم فتح المطار في نهاية هذا الشهر قد يعيد الى البلد الحيوية والنشاط ولو بطيئاً الى  الحياة الاقتصادية لان الاقتصاد اللبناني مدولر بنسبة كبيرة وشح هذه العملة خلق ازمة كبيرة من هنا الحل الوحيد هو عودة الدولارات الى السوق اللبنانية.

 جعجع والحسابات الرئاسية

تقول اوساط سياسية ان رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع له حسابات خاصة على الساحة السياسية والدليل انه في مواقفه الاخيرة دعا المتظاهرين الى حصر التظاهرات حول الاوضاع المعيشية وعدم التطرق الى سلاح حزب الله. وتتابع هذه الاوساط ان جعجع يتناول سلاح حزب الله في تصريحاته فقط انما على ارض الواقع وفي الكواليس السياسية يتجه الى تحييد سلاح المقاومة. ويرتكز جعجع ان الطائفة السنية تميل الى خطابه وافعاله والنموذج الوزاري الذي اعطاه في الحكومة السابقة اضافة الى ان الرئيس بري ورغم تأييد حزب الله الواسع للعماد ميشال عون لم يصوت للاخير كرئيس للجمهورية. وعليه، يعتبر جعجع ان الرئيس بري والوزير السابق وليد جنبلاط سيؤيدوه في المعركة الرئاسية خاصة انهم على تمايز كبير مع النائب جبران باسيل  وفقا لهذه الاوساط السياسية. وايضا، اشارت هذه الاوساط الى ان رئيس حزب القوات اللبنانية لم يغير خطه السياسي الا انه لن يتطرق الى نزع السلاح اذا وصل رئيسا للجمهورية وهذا امر قد يريح حزب الله فتصبح طريقه الى قصر بعبدا اسهل.