مع كل مشروع اميركي للمنطقة، ينال لبنان نصيبه السلبي منه، ويؤثر على وحدته الداخلية، فيخلق فتنة بين اللبنانيين، تطور الى حروب اهلية، وهذا ما حصل في خمسينات القرن الماضي عندما طرح الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور، لمحاربة التغلغل الشيوعي في الشرق الاوسط، فأيده فريق من اللبنانيين، وفي مقدمهم رئىس الجمهورية آنذاك كميل شمعون، وحدثت «ثورة 1958» باقتتال داخلي انتهت بتسوية داخلية برعاية اميركية - مصرية، طرح الرئىس صائب سلام شعارا لها «لا غالب ولا مغلوب» الذي لم تمض سنوات حتى ان مشروعا اميركيا اخر روّج له وزير الخارجية هنري كيسنجر، لحل الصراع العربي «الاسرائىلي» بعد حرب تشرين في العام 1973 بين مصر وسوريا من جهة والعدو الاسرائىلي من جهة اخرى، ليبدأ الحديث عن مشروع «سلام» في المنطقة فيه منع حق العودة للفلسطينيين وتجريدهم من سلاحهم والقضاء على مقاومتهم، فكانت احداث الاردن بين النظام فيه والفصائل الفلسطينية في العام 1970 تحت عنوان رفض الاردن ان يكون الوطن البديل للفلسطينيين، الذي طرحه ايغال آلون، وبدل التوجه الى محاربة المشروع حصلت معارك اردنية - فلسطينية، قامت مثلها في لبنان اشتباكات بدأت مع الجيش لتمتد الى الميليشيات الكتائبية، تحت شعار منع توطين الفلسطينيين وهو مشروع «اسرائىلي» بدعم اميركي استبدل اطراف لبنانيون قتاله، واتجهوا نحو الفلسطينيين، مستغلين اخطاء لعناصر منهم حيث نتج عن ذلك حرب اهلية دامت 15 سنة دخل عليها العدو الاسرائىلي بحربين مباشرتين في العام 1978 و1982 ومشاركة اميركية مباشرة مع قوات من الحلف الاطلسي في العام 1983، وتدخل عسكري مباشر في الحرب في حرب الجبل، بعد انسحاب من بيروت اثر الغزو الصهيوني لها.

هذا الاستعراض لدور المشاريع الاميركية وفق مصدر في 8 آذار للمنطقة ولبنان لربطها «بقانون قيصر» الاميركي، الذي هو اسوأ من القرار 1559 الصادر عن مجلس الامن الدولي في ايلول 2004 والذي لم يلتزم به لبنان وينفذه، لكن من مفاعيله كان اغتيال الرئىس رفيق الحريري وحرب تموز - آب «الاسرائىلية» عام 2006 لتدمير سلاح المقاومة، بعد خروج القوات السورية عام 2005 اثر جريمة مقتل الحريري واعطاء السلطة الى قوى 14 اذار، ثم قيام قوى 8 آذار بتغيير المعادلة الداخلية في احداث 7 ايار 2008 وما تبع ذلك في اتفاق الدوحة، وصولا الى حصول انتخاب العماد ميشال عون رئىسا للجمهورية «بتسوية رئاسية» كان الرئيس سعد الحريري شريكا فيها، ثم حصول «حزب الله» وحلفائه على الاكثرية النيابية في انتخابات عام 2018.

فما ينتظر لبنان من «قانون قيصر» هو الاخطر ما عاناه من مشاريع سابقة، يقول المصدر الذي يشير الى ان لبنان وضع ضمن محور دولي اقليمي سماه القانون وفسره وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو، اي ان استهدافه كان روسيا وايران والصين وهي الدول التي تساند النظام السوري وتدعم رئىسه بشار الاسد الذي بدأت العقوبات عليه وعلى عائلته واقاربه، اضافة الى افراد وشركات ومؤسسات وحذرت الادارة الاميركية لبنان الذي تربطه حدود مع سوريا ويقيم معاهدة اخوة وتعاون وتنسيق، واتفاقات اقتصادية وعسكرية وامنية بأن يخرق القانون، لان عقوبات ستفرض عليه وهي بدأت عبر النظام المصرفي يقول المصدر، الذي يخشى من ان يؤدي هذا القانون الى حصول اشتباك داخلي حوله وهو بدأ سياسيا، من خلال حملة تدعو الى منع تهريب النفط ومواد غذائىة وعملات اجنبية الى سوريا التي طالب «قانون قيصر» بوقفها، وتحميل ذلك الى حزب الله كما للحكومة التي تخضع له، اذ ترفض قوى حليفة للنظام السوري وبعضها قاتل الى جانبه تنفيذ التدابير الاميركية، وهذا ما سيخلق انقساما سياسيا، قد تنتج عنه توترات امنية، ظهرت في الاسابيع الاخيرة، وكل ذلك من اجل الاطاحة بالنظام في سوريا الذي يؤمن الدعم للمقاومة كعمق استراتيجي لها، وممر الى طهران.

و«القيصر الاميركي» سيواجه ايضا «القيصر الروسي» الذي تمدد نحو البحر الابيض المتوسط، وله قواعده العسكرية ووصل الى الشاطئ اللبناني للتنقيب عن النفط عبر شركة «نوفاتك» كما بات للصين حضورا في لبنان في الشمال قرب مرفأ او في البقاع عند الحدود السورية، تحضيرا للمشاركة في اعمار سوريا الذي يقدر بنحو 400 مليار دولار ترى اميركا ان شركاتها خارجها، لذلك فان قانون قيصر يدخل في هذا الاطار للضغط على النظام لتغيير سلوكه، نحو المقاومة او باتجاه الشرق نحو الصين وروسيا.

فقانون قيصر، هو ارهاب اقتصادي وفق توصيف الكسندر يغيموف الموفد الشخصي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى سوريا، ومؤكدا بأنه من المستحيل ان يحطم سوريا وروسيا التي فرضت اميركا عقوبات عليها، بعد ضم اوكرانيا وواجهتها.

ويبقى لبنان كيف سيواجه القانون الاميركي، فهل يلتزم به، ام يتناساه، او ينأى بنفسه عن صراع المحاور ولعبة الامم التي ستكون لها تأثيرات عليه، وما دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى طاولة حوار وطنية، الا للتباحث بهذا القانون وسبل التعاطي معه.