كاد نهاد المشنوق،  ببلاغة الجاحظ،  وبصوت الحجاج بن يوسف الثقفي،  أن يصرخ : يا قوم... اين سواطيركم ؟!

صاحب السعادة الذي يتكلم عن بيروت بخيزرانة أبو عبد البيروتي،  أي بلغة قبضايات الأزقة،  لا بلغة المدينة الكوزموبوليتية،  المدينة اللؤلؤة،  التي فتنت كل عباقرة العرب،  وكل مثقفي العرب...

كثيرون هللوا حين تم تعيين عبدالله المشنوق،  كصوت عروبي،  وزيراً في عام 1960.  آنذاك لم تتورع احدى الصحف الحزبية عن وصفه بـ «الوزير الحموي».  هو الذي ولد قي حماه عام 1904،  وانتقل مع آخرين من آل المشنوق الى بيروت.  حتى الآن مازال بعض القدامى من أهل المدينة يطلقون على آل المشنوق،  الذين يقولون انهم يتحدرون من البيت النبوي،  «الحموية» !

هذا لا يغيّر في الأمر شيئاً.  كل المدن الكبرى هكذا.  المصيبة في أن البعض ينسى،  او يتناسى،  بعصبية  العصر الحجري،  أنها عاصمة لبنان،  كل لبنان،  لا عاصمة عائلات دون أخرى، ولا عاصمة طوائف دون أخرى.

قد تكون مشكلة نهاد المشنوق، مثلما هي مشكلة اشرف ريفي،  في أن يكون الزعيم السني الذي تفرش له السجادة الحمراء الى السراي. 

يا صاحبنا،  التأجيج الغرائزي ليس الوسيلة المثلى لا للوصول،  ولا للقفز فوق سعد الحريري الذي لا يمكن أن تجاريه بدماثته،  والذي نعلم،  ويعلم كل الناس،  كيف كنت تعمل بين يديه، وماذا كنت تعمل بين يديه.

كلامه أكثر بشاعة من أن يدعو الى ترحيل الشيعة من بيروت (غداً دور من ؟).  الناخبون الشيعة هم من أوصلوه الى ساحة النجمة (اسألوا وفيق صفا).  هذا لا يعني أن الشيعة ليسوا بحاجة الى صوت معترض على المغالاة في الطقوس،  والمغالاة في الشعائر (عبر مكبرات الصوت حتى في المناطق المختلطة)،  خلافاً لكل ذلك التراث الفذ...

نعلم أن تاريخ الشيعة هو تاريخ المرارات الكبرى،  والمحن الكبرى،  ونعلم أين كانوا،  وأين أصبحوا.  أبناء هذه الطائفة هم من دحروا الاحتلال،  وأرغموه على الانسحاب.  بالتالي سقوط مشروع هرتزل في لبنان.  الحدث الذي زعزع البنية الايديولوجية،  والاستراتيجية،  في اسرائيل التي لا تقهر.  في لبنان قهرت...

هذا لا بد أن ينتج فائض القوة (بعد قرون من فائض الضعف).  ولكن هل يوظف ذلك الفائض في المكان الصحيح،  أي الارتفاع بالأخلاق وبالقيم ؟

لنأخذ البقاع مثالاً.  تكاد أعمدة جوبيتر تسقط يأساً.  المساجد تغص بالمصلين،  الحسينيات تغص بالمؤمنين.  ولكن،  اي مجتمع شيعي في البقاع ؟

حتى البلدات،  والقرى،  التي لم تعرف اللوثة الدموية في حياتها تشهد،  الآن،  سقوط قتلى لأسباب أكثر من أن تكون تافهة.  هل نتحدث عن الجشع،  وعن الكراهية،  وعن التصدع الدراماتيكي في العلاقات ؟

يكاد لا يمر يوم في بعلبك،  وهي مدينة الشمس (هليوبوليس) دون اطلاق النار في الشوارع،  وحتى في الطرقات الداخلية.  ماذا عن سلب السيارات التي تزود المنطقة بالماء والزاد ؟ ا

العوز ليس،  قطعاً،  السبب.  هنا فائض الفوضى.  لنأخذ منطقة عكار مثالاً،  وحيث الفقر المدقع،  وحيث الاهمال التاريخي أيضاً.  لماذا لا تقع فيها مثل تلك الحوادث ؟ البقاع الشيعي تحوّل الى أدغال. ..

لنكن أكثر صراحة.  الشيعة،  وان كانوا يشكلون الثلث في الديموغرافيا اللبنانية،  يبقون الأقلية في المحيط.  على مدى تاريخهم،  عرفوا بالشفافية والتشبث بأدبيات الجوار.  أكثر من مرة قلنا ان الاسلام في أزمة ثلاثية الأبعاد (ايديولوجية،  تاريخية،  حضارية). 

ثقافة نبش القبور لدى كل الطوائف، ولدى كل المذاهب، استوطنت كل مناطق اللاوعي،  والوعي،  في المجتمعات الاسلامية.  هل يعلم الشيعة أن المنطقة على خط الزلازل،  وعلى خط الحرائق ؟ وهل يعلمون أن تراثهم العقائدي قام على التضحية، والايثار، وعلى الثورة، ولو بالأظافر، على القهر ؟

انتبهوا الشرق الأوسط أمام هزات كبرى.  ربما أمام انفجارات كبرى.  لندع أعمدة جوبيتير تتستعيد زهوها،  وتستعيد ألقها. ..