منذ دستور 1926 و ميثاق 1943 غير المنصوص والذي أتفق على أساسه الرئيسان بشاره الخوري ورياض الصلح على أن يكون رئيس جمهورية لبنان مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً وأن يكون توزيع النواب على أساس 6 مسيحيين مقابل 5 مسلمين، يقول مصدرنيابي مسيحي عاش لبنان واللبنانيون عاشوا حالة إستقرار طائفية إلى حين ثورة 1958 ومن ثم توقيع إتفاق القاهرة عام 1969 برعاية عربية الذي شرّع وجود الفلسطيني المسلح والذي شرع تحرير فلسطين المحتلة من قبل العدو الإسرائيلي إنطلاقاً من جنوب لبنان. في ذلك الحين كان ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. لكن هذا الأخير لم يكتف بما ذكر أعلاه، بل بدأت مناوشات مع القوى المسيحية خاصة مع حزب الكتائب توجت بأحداث «بوسطة» عين الرمانة سنة 1975 وإندلاع الحرب الأهلية الطائفية اللبنانية ( والتي كان المخطط لها وزير خارجية الولايات المتحدة الآميركية آنذاك اليهودي هنري كيسنجر) بين الفلسطينيين المدعومين من المسلمين والدروز المعروفين «بالقوى الوطنية» من جهة، والقوى المسيحية من جهة ثانية كحزب الكتائب والوطنيين الأحرار ولاحقاً القوات اللبنانية التي أسسها الشيخ بشير الجميل. ومن ثم تطورت إلى عدة حروب جانبية آخرها حرب الإلغاء بين الجيش والقوات. ويقول المصدر أنّ هدف كيسنجر كانَ تهجير المسيحيين وتوطين الفلسطينيين في لبنان كوطن بديل عن فلسطين المحتلة. ثم أتى الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 فطردوا منظمة التحرير الفلسطينية وأبو عمارمن لبنان الذي توجّهَ إلى تونس.

إنقسمت البلاد يومها بين مسلم و مسيحي و حتى بين مكونين في نفس الطائفة وحتى في نفس المذهب وبدأنا نتكلم ونمارس الطائفية بعصبية حادة

حين إنتهت الحرب في العام 1990 وإتفق النواب في مدينة الطائف السعودية على دستور جديد سمّي بإتفاق الطائف الذي نص في الفقرة ح من مقدمة الدستور على إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية، إنتقل لبنان مما كان يسمى « بالمارونية السياسية إلى ما يسمى بـ «السنية السياسية» خاصة بوجود رجل بحجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري على رأس الحكومة وإنتقال قسم كبير من صلاحيات الرئيس الماروني إلى مجلس الوزراء الذي يترأسه سنّياً. لكن جوهر الموضوع أنّ لبنان ظل طائفياً ما جرى هو فقط إنتقال الصلاحيات من الموارنة إلى السنة.

الآن وبعد مرور أكثر من 92 سنة على إتفاق الطائف وعلى الفقرة ح التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية لم يتغير شيء لا بل إنتقلت الطائفية والمذهبية إلى إدارات الدولة ويضيف المصدر النيابي المسيحي، والى الأحزاب والأندية الرياضية والإجتماعية والجمعيات والنقابات ومحطات التلفزة وبعض الصحف والمدارس الخاصة والرسمية حتى أنّ الجامعة اللبنانية باتت منقسمة بين فرع أوّل للمسلمين وفرع ثان للمسيحيين... والأخطر من كل ذلك إنتقلت الطائفية والمذهبية إلى نفوس اللبنانيين وعقولهم وكل ذلك تحت أعين ورعاية المطارنة والمشايخ و الزعماء السياسيين الذين لولا الإحتماء وراء طوائفهم ومذاهبهم لكانوا أغلبيتهم في السجون. فبات من النادر جداً أن نشاهد برنامجاً سياسياً عبر شاشات التلفزة دون أنّ نسمع مراراً وتكراراً كلمات مسيحي وشيعي وسنّي ودرزي أياً يكن الموضوع من الانتخابات البلدية وصولاً إلى الرؤساء الثلاثة مروراً بالإنتخابات النيابية وتشكيل حكومة وتعيين موظفي الدولة...

ويقول مرجع سياسي أنّ إلغاء الطائفية السياسية أمر ضروري لبناء وطن وكيان غير طائفي لكن لا يمكن فعل ذلك قبل تطبيق العلمنة وفصل الدين عن الدولة كما فعلت فرنسا قبل أكثر من قرن وبالتحديد في عام 1905 وكما هو الحال في جميع الدول المتقدمة وحتى في دول إفريقيا.

لا يمكننا تطبيق العلمنة بين ليلة و ضحاها بحسب المرجع، بل يجب تحضير المجتمع لهكذا إجراء و خاصة الأولاد في المراحل الإبتدائية كما يجب البدء بتطبيق قانون أحوال شخصية عصري و علماني وإنشاء مجلس شيوخ ومن ثم إنتخاب مجلس نيابي على أساس غير طائفي.

العلمنة ليست بمنع كل مؤمن من ممارسة شعائره الدينية حسب طائفته ومعتقداته الدينية يقول المرجع، بل الهدف منها إيصال كل رجل أو امرأة إلى أي منصب في الدولة حسب كفاءته وليس حسب طائفته ومذهبه فزعماؤنا يبحثون عن قانون إنتخابي منذ عدة سنوات ولا يتفقون على قانون بسبب الطائفية والمذهبية، فيطبقون القوانين الطائفية دون التفكير ولا للحظة ببناء دولة علمانية وبالطبع هذه الدولة لن تخدم مصالحم كونهم رؤساء أحزاب طائفية.

قال الفيلسوف الألماني مُلهم الشيوعية العالمية في القرن التاسع عشر كارل ماركس « أنّ الدين هو مخدّر الشعوب « فبعد الثورة الشيوعية في روسيا في تشرين الأول 1917على يد فلاديمير لينين وليون تروتسكي وجوزيف ستالين تم تدمير الكنائس والجوامع في الإتحاد السوفياتي وتحويلها إلى متاحف و مُنع الشعب من ممارسة شعائره الدينية. لكن تبين بعد نحو قرن خاصة مع إنهيار الإتحاد السوفياتي عام 1989 أنّ كارل ماركس كان مخطئا. فالدين هو عنوان ورافعة لتطور الشعوب والمجتمعات. لكن فصل الدين عن الدولة وإرثاء العلمنة كانا العنوان العريض في الدول المتقدمة في القرن ال 20 والتي تكفل حقوق الأقليات في الحياة السياسية...

أمّا في لبنان وفي القرن الـ21 فنشهد بعد كل ما عانيناه أنّ التشنج الطائفي والمذهبي بلغ ذروته بحسب المرجع، في الاتفاق على إقرار قانون إنتخابي إلى حدٍ ما ميثاقي، كما انه لا يتم تأليف حكومة سوى على قاعدة الطائفية والمذهبية ولا تعيين موظف في إدارات الدولة سوى على قاعدة الطائفية والمذهبية... ولا موقع مسؤلية في أي قطاع لأصحاب الكفاءات سوى من خلال رضى الزعيم الطائفي.

كما أنّ العلمنة تخضع المواطن إلى قوانين الجمهورية وإلى المواطنة، يؤكد المرجع، بدل الخضوع لمشيئة المراجع الدينية و هذا يدفعنا للقول أنّ لبنان في الوقت الراهن ليس جمهورية بل هو بلد مكون من إمارات طائفية تجمعها اللغّة فقط.

لبنان الطائفي لن يصبح كياناً مستقلاً و لن يدوم كجمهورية في ظل الطائفية التي تشهد تشنجاً طائفياً ومذهبياً عند كل إستحقاق فإما أن يبدأ تطبيق العلمنة ومن ثم إلغاء الطائفية السياسية، وإمّا فلبنان ذاهب عاجلاً أم آجلاً إلى فدرالية الطوائف.