دخل «قانون قيصر» الأميركي المتعلّق بفرض عقوبات إقتصادية على النظام السوري ومؤيّديه وكلّ من يتحالف أو يتعامل معه، حيّز التنفيذ الأربعاء الفائت في 17 حزيران الجاري، وذلك قبل أن تقوم الحكومة اللبنانية بدراسته أو باتخاذ موقف واضح وصريح منه، وتضع خطّة محدّدة لمواجهة تداعياته على لبنان، أو على الأقل للحدّ منها قدر الإمكان، في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يعاني منها منذ أشهر.

وبين ما يفرضه هذا القانون من عقوبات جديدة تطال اللبنانيين المثقلين بالأزمة الإقتصادية المتردية، وما اقترحه الأمين العام لـحزب الله السيّد حسن نصرالله في كلمته المتلفزة الأخيرة، على الحكومة بـ «الذهاب الى الشرق» أي الى الصين وروسيا وإيران، بدلاً من الغرب أي الولايات المتحدة والدول الأوروبية تجنّباً لتأثير «قانون قيصر» سلباً الإقتصاد اللبناني أكثر فأكثر، وعلى محاصرته برّاً كون سوريا تمثّل بوابته الى العالم العربي ودول الجوار، فقد أصبح لبنان في وضع حرج جدّاً لا يُحسد عليه. فقد وجد نفسه مرّة جديدة في مأزق الخيار بين استمراره في تنفيذ المعاهدات والإتفاقيات السياسية والأمنية والتجارية والزراعية المعقودة بينه وبين سوريا منذ سنوات طويلة والتي كان ينوي تطويرها وتعزيزها من جهة، وبين رغبته من جهة ثانية، بعدم الإصطدام مع أميركا وقراراتها، في هذه المرحلة بالذات، كون العقوبات الجديدة التي يفرضها عليه «قانون قيصر» من شأنها تضييق الحصار الإقتصادي على عنقه أكثر فأكثر.

ولأنّ الوضع الإقتصادي في لبنان بلغ أدنى مستوياته، ولم يعد المواطن اللبناني يتحمّل الفقر والجوع والبطالة، الى جانب وباء «كورونا»، فضلاً عن سريان «قانون قيصر» الأميركي، وعدم نجاح لبنان في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي، دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى «لقاء وطني» شامل للحوار يجمع المسؤولين اللبنانيين من رئيسي المجلس النيابي ومجلس الوزراء، الى رؤساء الجمهورية السابقين، ورؤساء الحكومة السابقين، ونائب رئيس مجلس النوّاب، ورؤساء الأحزاب والكتل الممثّلة في مجلس النوّاب، يُعقد في قصر بعبدا، يوم الخميس المقبل في 25 حزيران الجاري. أمّا الهدف منه فهو «التباحث والتداول في الأوضاع السياسية والسعي للتهدئة على الصعد كافة بغية حماية الإستقرار والسلم الأهلي»، والسعي لإيجاد الحلول المناسبة للأزمات التي يُعاني منها البلد، ولتداعيات «قانون قيصر» عليه، ولإخراجه بالتالي من هذا النفق الجديد الضاغط عليه.

مصدر سياسي مطّلع أكّد أنّ «قانون قيصر» يتضرّر منه لبنان أكثر من سوريا، لأسباب عدّة أهمّها:

1- كون لبنان بلداً صغيراً ليس لديه اكتفاء ذاتي على صعيد البترول والطاقة والمواد الغذائية، واليوم يقع في أزمة مالية كبيرة، فضلاً عن أنّه يفتقد الى الوحدة الوطنية بين أبنائه، والقواسم المشتركة لوضع تصوّر ما يحصر أضرار هذا القانون. في حين أنّ سوريا لديها اكتفاء ذاتي في المؤن والقمح والغذاء، ولديها جيش مرتبط برأس النظام يُنفّذ أوامره، والأهمّ من ذلك، وجود دولتين تقفان الى جانبه، أوّلهما الصين التي تسانده إقتصادياً من دون لبس القفّازات، وروسيا التي تحميه انطلاقاً من معاهدة الأمن المشترك المتعلّقة بالأمور العسكرية والإقتصادية والتجارية بين البلدين، ولامتلاكها بالتالي مرفأ بحرياً وقاعدة حميميم العسكرية في سوريا، الأمر الذي يجعل أي خروقات ستطال هذه الأخيرة محميّة، إذ ليس من السهل على أي جهة القيام بمواجهة مع الروس. تضاف الى ذلك مساندة إيران التي أرسلت لسوريا في الأمس إمدادات على مرحلتين.

غير أنّ هذا لا يعني أنّ سوريا لا تُعاني من أزمة مالية، بل هي تُعاني منها لأسباب عدّة: أولاً، بسبب العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها. وثانياً، لانّ هناك 36 مليار دولار من موجودات المصارف اللبنانية عائدة لرجال أعمال ومودعين سوريين لا يستطيعون تحريكها على غرار اللبنانيين.

2- إنّ عملية إعادة عمار سوريا من شأنها تأمين العمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين في لبنان والآتين من الخارج لا سيما المهندسين والعاملين في قطاع البناء، لأنّ الحوافز المادية ستكون كبيرة. غير أنّ «قانون قيصر» فرمل تطلّعاتهم، إذ لن يعودوا يجرؤون على الذهاب الى سوريا مع قرار المنع من السفر والرقابة وما الى ذلك. في حين أنّ السوريين يستطيعون العمل داخل بلادهم في هذه العملية.

ويجد المصدر نفسه أنّ الحكومة اللبنانية تبدو في مأزق حرج اليوم إذ عليها الإجابة عن أسئلة عدّة قد يطالها «قانون قيصر» مثل مسار طريق الترانزيت بين لبنان وسوريا والأردن والسعودية وتركيا وسواها، والكهرباء التي يستجرّها لبنان من سوريا، ومصير أكثر من عشر معاهدات واتفاقيات معقودة بين البلدين تتعلّق بالسياسة والأمن والتجارة والزراعة، فضلاً عن التعاون القائم بين بعض الوزارات في البلدين، ووضع الشركات اللبنانية العاملة حالياً في سوريا. وذكر بأنّ الناطقة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية جيرالدين غريفيث قد تحدّثت أخيراً عن أنّ «قانون قيصر» لا يستهدف الشعب اللبناني أو الإقتصاد اللبناني إنّما يستهدف مؤيّدي نظام الأسد، وأنّ المعاملات الشرائية والإقتصادية مع سوريا لا تخضع للعقوبات، إلاّ أنّها في الوقت نفسه دعت الحكومة الى ضرورة مراجعة القانون والإتفاقيات، ما يجعل الأمور ملتبسة وبحاجة الى دراسة.

وبرأي المصدر نفسه،، إنّ المقصود من «قانون قيصر» 3 أمور أساسية تهمّ أميركا هي:

1- الإنتخابات الأميركية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل، والرئيس الأميركي دونالد ترامب هو إنسان يعيش على المشاكل والعداوات الكبيرة، وهذا القانون يُرضي مناصريه المتطرّفين لا سيما اللوبي الصهيوني الذي هو فعّال ويؤيّده.

2- يُقفل الطريق على أي إمكانية لإعادة بناء سوريا لأنّها دولة غنية وكبيرة ولديها موارد طبيعية وزراعية وبترولية، وثمّة قسم كبير من مناطقها مهدّم، وبالتالي تريد أميركا إحباط عملية إعمارها كون النظام سبق وأن اتخذ قراراً بعدم إشراك الأميركيين والأوروبيين في هذه العملية، لهذا تريد تقييد حركته.

3- إعادة فرض سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة لا سيما على العراق ولبنان وسوريا.

وعن نيّة أميركا بالكشف عن مصير آلاف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، أشار المصدر الى أنّ هذا الأمر لا يعدو سوى أكذوبة، إذ يشكّ بأنّه لا يزال هناك معتقلون لبنانيون في سوريا. أمّا الشركات اللبنانية العاملة في سوريا، فلا بدّ من دراسة وضع كلّ منها على حدة. وشدّد على أنّه منذ الآن وحتى انتخابات الرئاسة الأميركية سيشهد لبنان صيفاً ساخناً قد يؤدّي الى انفجار ما على الساحة الداخلية، ولهذا فعلى الحكومة الإسراع في إيجاد الحلول التي تحمي لبنان من جميع الضغوطات والتحديات.