حـــقــيــــقــة الـــــديــــــــار

شارل ايوب

في الخامس والعشرين من هذا الشهر، دعا فخامة رئيس الجمهورية الى مؤتمر وطني للحوار حول السلم الاهلي والوحدة الوطنية. ويجري العمل على اقناع القيادات بحضور المؤتمر لانها رافضة لحضوره. في وقت تجري الحكومة اجتماعات مع صندوق النقد الدولي من اجل تمويل لبنان بقرض لدعم اقتصاده.

واقع الامر ان ديون لبنان المالية كبيرة جداً. لكن الاكبر منها الديون الوطنية التي يرزح تحتها لبنان ويحتاج الى دفعها من خلال اصلاح جذري وعميق للمجتع اللبناني. ديون لبنان الوطنية المذهبية والطائفية والتبعية المالية، واهم شيء الانقسام المذهبي الطائفي في لبنان، بشكل لا يجعله وطناً بل مجرد لوحة ممزقة الى مذاهب وطوائف، ولم نعد نقول طوائف، بل نقول مذاهب.

من اجل فيديو عن السيدة عائشة اندلعت فتنة مذهبية بين السنة والشيعة. ورأينا على مدى مدن وقرى، شباناً يحملون السلاح ويطلقون الرصاص ويصرخون «شيعة» «شيعة» «شيعة». وفي المقابل سجل آلاف الشبان من الطائفة السنية وهم يهتفون «سنة» «سنة» «سنة»، ثم اندلع الرصاص في كل لبنان، واندفعت التجمعات ولولا الجيش اللبناني ولولا نداءات القيادات والاحزاب من المذهبين الشيعي والسني لكانت الفتنة اندلعت في كل لبنان.

على ماذا دل ذلك؟ انه يدل على ان الانتماء المذهبي هو اهم من الانتماء الوطني، وبما ان الموضوع دقيق يتعلق بالسيدة عائشة اميرة المؤمنين وزوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم استفاقت الغرائز وهذا يدل على انه لا يوجد وطن، بل توجد مذاهب تقتسم لبنان الى مناطق، فالجنوب شيعي والقسم الاكبر من البقاع شيعي ومدن صيدا وطرابلس وعكار سنية، فأين الوطن الذي نتحدث عنه ونعقد مؤتمراً يدعو اليه فخامة الرئيس العماد ميشال عون للحديث عن الوحدة الوطنية وعن السلم الاهلي في لبنان. ان المرض هو في النفوس التي اعتبرت ان المذهب اهم من الوطن واعتبرت ان انتماءها الى المذهب اهم من الانتماء الى لبنان، فعن اي لبنان نتحدث، عن لبنان ليس وطناً بل قطع ممزقة بالطائفة والمذهبية؟!

ثم ماذا عن المسيحيين؟ فقسم من احزابهم تنتمي وتوالي دولاً اميركية وخليجية، ومنها من يوالي فرنسا وسوريا قبل موالاتهم للبنان، لا يوجد عندهم وطن اسمه لبنان. ويطلقون الشعارات عن استرجاع حقوق المسيحيين، فممن يريدون استرجاع صلاحيات المسيحيين؟ انهم يريدون استرجاع حقوق المسيحيين  عبر الطائف من الطائفة السنية التي اخذت صلاحيات رئاسة الجمهورية واعطاها الطائف لرئاسة مجلس الوزراء. وحصل خلاف كبير ادى الى حرب شاملة عند دخول الجيش السوري الى لبنان سنة 1991 واستبعاد العماد عون الى فرنسا 15 سنة. ليعود ويطالب بحقوق المسيحيين والسنة يرفضون التنازل عن حرف من الطائف.

فاي لبنان هذا يطالب فيه حزب كبير ورئيس الجمهورية وارسترجاع حقوق المسيحيين من الطائفة السنية.

ثم هنالك احزاب توالي اميركا وعلى رأسها القوات اللبنانية وأحزاب توالي فرنسا وأحزاب توالي سوريا ولا نجد ولاء للبنان الواحد الوطني وما المؤتمر الذي دعا اليه فخامة رئيس الجمهورية الا مؤتمر شكلي لا يعالج الازمة، فلبنان يحتاج الى مجتمع مدني وليس الى مجتمع مذهبي، حتى بيروت العاصمة التي يجب ان توحد كل اللبنانيين فنرى ان الاشرفية مسيحية وعين الرمانة مسيحية والصيفي مسيحية ونرى في المقابل الطريق الجديدة والبسطا وقسم من المصيطبة سنة، ونرى الخندق الغميق شيعية، فأين بيروت الجامعة للبنانيين؟ اين العاصمة التي تضم كل اللبنانيين وتوحدهم؟ فيما بيروت أقسام وأقسام.

ثم ننتقل الى الضاحية لنراها شيعية بنسبة 90 بالمئة. وننتقل الى ضواحي بيروت الجنوبية باستثناء النبعة الشيعية فبعضها مسيحية، وبجوار العاصمة ننتقل ونرى اقليم الخروب السني ونرى الشوف الدرزي ونرى عاليه بنسبة 80 بالمئة درزية. وننتقل الى جبل لبنان الشمالي فنراه مارونياً وننتقل الى الكورة التي نراها ارثوذكسية وزغرتا وبشري مارونيتين، وقضاءي الضنية والمنية سنية. فاذا بلبنان ممزق بالمذاهب والطوائف. هو فعلاً ليس وطناً. كل شخص مذهبي في لبنان هو اسرائيلي كل من يعمل على مذهبية هو اسرائيلي، كل من يعزز الطائفية هو اسرائيلي.

ان استراتيجية اسرائيل ان يكون لبنان ضعيفاً بتمزيقه الى قطع ومن لون واحد. الوطن لا يكون الواناً بل يكون من لون واحد وطني. اما صراع الافكار والصراع السياسي ضرورة للديموقراطية. وقيمة لبنان انه البلد الديموقراطي الوحيد بين كل الدول العربية وقوته هي في ديموقراطيته لولا تحول هذه الديموقراطية الى مذهبية ومالية وطائفية، وديموقراطية مالية حيث يتم شراء الاصوات ومشتري الاصوات نائباً ووزيرا. ولذلك نحن نقول ان الديون الوطنية اكبر بكثير من الديون المالية، فاذا حصل الاصلاح ونال لبنان قروضاً من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي عبر مؤتمر سيدر 1 يمكن حل 50 بالمئة من المشكلة المالية. لكن من يحل المشكلة الوطنية الفعلية اليوم؟

مؤتمر 25 حزيران في قصر بعبدا هو مسكّن بسيط، وتبقى المشكلة الكبرى عدم انتماء اللبنانيين للبنان الواحد، للبنان المجتمع المدني بل لمذاهبهم وطوائفهم.