يبدو «قانون قيصر» مطّاطاً إذ ينصّ على أنّه لا يطال الشعب السوري، ولا الشعب اللبناني ولا العراقي، ولا التُجّار السوريين واللبنانيين العاديين، إنّما كلّ من له علاقة بالنظام ومتحالف معه.. فهل من الممكن القيام بفرز لكلّ شركة ومؤسسة وشخص من لبنان يعمل في سوريا، وتقييم إذا ما كان يتعامل مع النظام أم لا، ووفق أي معايير؟ وهل تطميناتها لشعوب المنطقة حقيقية أم أنّ وراء الأكمّة ما وراءها، خصوصاً وأنّ القانون المذكور يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب صلاحيات واسعة تسمح له بمعاقبة أي شخص أو كيان أو دولة تربطها بسوريا علاقات إقتصادية جيّدة ؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت بأنّ هذا القانون، من وجهة نظر واشنطن، يمثّل فرصة للبنانيين لوقف الإستنزاف الحاصل عبر 120 معبراً حدودياً غير شرعياً على الحدود اللبنانية- السورية. وإذ تشدّد على أنّه ليس عقاباً للبنان وللعراق إنّما فرصة للتخلّص من العلاقة الإستنزافية المستمرّة لما تبقّى من الثروة اللبنانية، وثمّة إصرار طويل المدى من الحكومة الأميركية على إنهاء هذه العلاقة التي لا تجدها سليمة، تجد بأنّه في الواقع يهدف الى أمر واحد، وهو وقف تهريب الأسلحة أو تبادلها بين حزب الله والنظام أو سواه عبر الحدود غير الشرعية، ولا شيء آخر.

ولفتت الاوساط الى أنّ منظومة الأسلحة والصواريخ التي يملكها حزب الله وسبق أن أعلن عنها هي بحوزته، ولم يحصل عليها عن طريق هذه الحدود، غير أنّ «قانون قيصر» يريد تضييق الخناق على المقاومة والنظام، في حال احتاج اي منهما لتمرير الأسلحة أو دعم أحدهما للآخر بالإمدادات العسكرية، في حال وقعت حرب جديدة في المنطقة. وفي الواقع، ما لم تنجح به واشنطن في حرب تمّوز-آب 2006، تُحاول تحقيقه عن طريق هذا القانون، الذي يحمل في ظاهره عنوان «وقف الإنتهاكات بحقّ الشعب السوري»، في حين أنّه في باطنه يهدف الى حماية أمن الشعب «الإسرائيلي» وجعل «إسرائيل» القوّة العسكرية الوحيدة في المنطقة.

وألمحت  الاوساط، الى أنّ واشنطن استعانت أخيراً ببعض الأبواق في الداخل اللبناني، قبل البدء بتنفيذ «قانون قيصر»، للمطالبة بتنفيذ القرار الدولي 1559 فيما يتعلّق بنزع سلاح الميليشيات غير الشرعية، أي سلاح حزب الله، لكنّها باءت بالفشل مرّة جديدة. فحتى مع وصول الفقر والجوع والبطالة الى حدّها الأقصى في لبنان، غير أنّ شريحة كبيرة من اللبنانيين لا تزال تعتقد بأنّ سلاح المقاومة هو من أخرج قوات العدو المحتلّة من جنوب لبنان، وأنّ هذا السلاح نفسه هو الذي يمنع «إسرائيل» اليوم من القيام بأي عدوان جديد على لبنان. في الوقت الذي كانت تُراهن فيه واشنطن، على أنّ تجويع الشعب اللبناني سيؤدّي في نهاية المطاف لمطالبته بالإجماع بنزع سلاح المقاومة، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل.

فالوضع الإقتصادي المتردّي، على ما ترى الأوساط نفسها، يعود لاعتبارات عدّة، أبرزها هيمنة الولايات المتحدة على المصارف من باب تشديدها العقوبات الإقتصادية على حزب الله، في الوقت الذي أعلن فيه الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله بأنّ أمواله ليست في المصارف اللبنانية. فضلاً عن تلاعبها بالدولار وسحبه من السوق النقدي لتزيد من سوء الوضع المالي سوءاً ومن افتقار الشعب اللبناني. ولو كانت مهتمّة بشعوب المنطقة، على ما تؤكّد واشنطن من خلال «قانون قيصر» بأنّه لن يطالها، لما غضّت النظر عن الممارسات «الإسرائيلية» بحقّ الشعب الفلسطيني من استيطان وحصار وتجويع ومعاناة، ولما افتعلت مشكلة إقتصادية ومالية في لبنان تأثّر بها سلباً كلّ الشعب اللبناني، ولكانت زوّدت المؤسسة العسكرية بالأسلحة المتطوّرة والصواريخ البعيدة المدى القادرة على ردّ أي عدوان «إسرائيلي» أو سواه على الأراضي اللبنانية، قبل أن تُطالب بنزع سلاح المقاومة بلسان شريحة من الشعب اللبناني. فيما إعلانها عن أنّ القانون الأميركي الجديد يهدف الى «وقف ارتكاب النظام السوري الإنتهاكات بحقّ شعبه»، فإنّه عنوان غير منطقي، وفي غير وقته، إذ يأتي بعد انتهاء الحرب في سوريا، وبعد تسع سنوات على الأزمة فيها، فأين كانت قبل هذا الوقت بالذات؟

وأشارت الاوساط، الى أنّ تلازم «قانون قيصر» مع الإعلان عن «صفقة القرن» والسعي الى تطبيقها رغم رفضها من قبل الدول الأوروبية والعربية، إنّما يهدف بالدرجة الأولى الى تأمين أمن العدو الإسرائيلي في المنطقة دون سواه، من خلال تضييق الخناق على كلّ ما يتعلّق بالطاقة والطيران وإنتاج السلاح في المنطقة. وفي الواقع، فإنّ التضييق الإقتصادي على لبنان ودول المنطقة هو الذي سيأتي عنه، إذ لا يُمكن لواشنطن التمييز بين التاجر والصناعي وبين المتعامل مع النظام بالسهولة التي تتوقّعها... ولهذا فما على الحكومة اللبنانية واللقاء الوطني للحوار في بعبدا سوى اتخاذ الخطوات اللازمة والضرورية لتجنيب لبنان والشركات اللبنانية العاملة في سوريا من أذى هذا القانون، ومن انعكاساته وتداعياته المباشرة عليها في اسرع وقت ممكن، رغم كلّ التطمينات الأميركية بأنّ العقوبات لا تستهدف الشعب اللبناني.

وفيما يتعلّق بالشاحنات التي ستقطع طريق «الترانزيت» البريّة بين لبنان وسوريا والعراق والأردن والسعودية وسواها، وتنقّل بعض رجال الأعمال اللبنانيين الذين يملكون شركات أو فروع لشركاتهم في سوريا، أشارت الأوساط الى أنّ واشنطن أعلنت أنّ «قانون قيصر» يمنع التعاملات التي تمكّن النظام السوري من شنّ عمليات عنف بحقّ شعبه، وأنّ التعاملات الإقتصادية والشرائية لن تكون خاضعة للعقوبات، غير أنّها لم تذكر كيف يمكنها التمييز بين تاجر ومتعامل. علماً بأنّ القانون ينصّ على فرض عقوبات وتقييد سفر كلّ متعامل، ما يجعلها تصنّف من تريد وتُدرجه في هذه الخانة. وشدّدت الاوساط، على أنّه لدى واشنطن مشكلة مع التهريب لهذا تستمرّ بدراسة الوضع على الحدود اللبنانية- السورية.

من جهة ثانية، فإنّ أميركا، على ما ذكرت الأوساط نفسها، تفصل بين «قانون قيصر» والتزامها باستكمال إمداد لبنان بالمساعدات الإنسانية انطلاقاً من سعيها لتخفيف معاناة اللاجئين السوريين فيه وفي دول المنطقة.