وسط التمادي الخطير في الانهيار الذي اصاب البلاد، والاكثر تداعيات بين كل الازمات المستفحلة الانهيار الكبير الذي اصاب العملة الوطنية ومعها تفاقم الى حدود المجاعة لاكثرية  اللبنانيين لا زالت الساحة السياسية تشهد تزخيماً غير عادي للاجتماعات والمصالحات وبين كل ذلك ما يجري من لقاءات مكثفة لمجلس الوزراء واخرى حكومية ومالية- امنية وغير ذلك من اجتماعات متتالية مع صندوق النقد الدولي.

واذا كانت كل هذه الاجتماعات والمصالحات المختلفة والمتعددة ترمي للحد من الانحدار السريع للواقع المأزوم فحتى اليوم لم يحصل اي انجاز فعلي يعيد التوازن على الاقل الى سعر الليرة اللبنانية عدا عن المراوحة في كل المعالجات الاخرى بل ان ما حصل من فضائح في اقرار ملفات اخرى مثل المحاصصة في التعيينات او بعض الخطوات الجزئىة للحد من المضاربة بالدولار.

فمنذ الاجتماع الشهير الذي انعقد في قصر بعبدا لرؤساء الكتل النيابية وما افضى اليه من توافقات على معالجات شكلية لعدد من الملفات بقيت حبرا على ورق وكذلك الامر بما خرج به الاجتماع الثلاثي لكل من رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، بهدف تطويق الارتفاعات الخيالية في سعر الدولار فحتى اليوم ورغم الوعود التي اعطيت في مسألة خفض سعر الدولار، لكن هذا السعر بقي على ما يزيد من خمس الاف ليرة للدولار في السوق السوداء ولو ان تدخل مصرف لبنان فتح المجال امام حصول اي مواطن على 200 دولار في الشهر بسعر حوالى اربعة الاف ليرة رغم ان الحصول على هذا المبلغ من صرافي الفئة الاولى يتطلب الانتظار لساعات طويلة بسبب الاقبال الكثيف للمواطنين على هؤلاء الصرافين.

والنتيجة نفسها تنسحب على كل التعاميم التي صدرت عن حاكم مصرف لبنان الى جانب السرقات الموصوفة التي يمعن بها اصحاب المصارف بحق المودعين، وبالاخص اصحاب الودائع بالدولار حيث لم تنجح الحكومة بفرض اي اجراء جدي كل المصارف يتيح للمودعين الحصول على القليل القليل من ودائعهم بالعملة الصعبة ومجلس النواب يقوم بدوره في هذه القضية من تشريع قانون يلزم اصحاب المصارف بحد ادنى من السحب بالدولار وكذلك ما هو مطلوب من اقرار قوانين تتناول ما تفترضه معالجة مجموعة واسعة من الخطوات الانقاذية، اولها الاسراع في اقرار القوانين التي تعطي القضاء استقلالية كاملة وكذلك بما يتعلق بمحاسبة الفاسدين واسترداد المال والاملاك المنهوبة، بل ان مشاريع القوانين التي يتم مناقشتها، في اللجان النيابية المختصة اليوم، اسوأ من القوانين المعمول بها اليوم فمشاريع القوانين المطروحة للنقاش في اللجان يضيف اجراءات معقدة وغير قابلة للصرف لمحاسبة اي مسؤول متهم بالفساد ونهب المال العام من وزراء سابقين ومدراء عامين ورؤساء مؤسسات وصناديق وتوابعهم عن حيتان المال والذين جمعوا عشرات ومئات ملايين الدولارات من الصفقات.

كذلك المراوحة وصراعات «عض الاصابع» تهيمن على التحقيق في الفضائح التي «اصبحت على كل لسان» من اللبنانيين من فضائح المقاولين الكبار بالدولار وكان اخرهم ما تكشف عن قيام مصرف «سوسيتيه» جنرال المملوك من انطوان الصحناوي (وما ادراك من هو صاحبه) من عمليات مضارب كبيرة بالدولار وكذلك بما خص فضائح الفيول المغشوش وما حصل من نهب في شركتي الخليوي، الى مئات الملفات الاخرى التي تستدعي اقرار قوانين شفافة تعيد للدولة اموالها واملاكها.

كما ان لائحة العجز والمراوحة تمتد الى كل الملفات الاساسية من ضرورات اتخاذ كل الاجراءات التي تحمي لبنان من تداعيات قانون «قيصر» الاجرامي للادارة الاميركية ضد سوريا والتداعيات الخطيرة على لبنان بل ان اهل السلطة الذين بيدهم القرار اليوم يديرون «الأذن الطرشاء» حول ما هو مطلوب من اجراءات لمواجهة ما تخفيه ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب من محاولة مكشوفة لخنق لبنان عبر «قانون قيصر» فليس هناك من اي فعل لاتخاذ قرارات جدية بهذا الخصوص، واذا كان خوف بعض اهل السلطة (من الموقع الاول الى غيره) مما يعتبرونه ردة الفعل الاميركية بالانفتاح على سوريا، فاقل الواجب، كما قال الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في كلمته مساء الثلاثاء ـ التوجيه شرقاً نحو روسيا والصين وايران، في وقت يمعن حلفاء واشنطن وادواتهم المشبوهة من محطات تلفزيونية والابواق المعروفة بالتهليل للعقوبات الاميركية ضد سوريا وبالتالي تشكيل جوقة تحريض غير مسبوقة ضد الحكومة لانها لم تبادر لاعلان التزامها بالعقوبات الاميركية، حيث يتناسى هؤلاء النتائج الكارثية لـ«قانون قيصر» على لبنان، في مقابل مسارعة حلفاء سوريا، بدءا من ايران، لفك الحصار الاميركي وتزويد دمشق بمساعدات مختلفة، حيث وصلت في الساعات الماضية سفينة شحن ايران محملة بالمساعدات وستصل العديد من السفن في الايام المقبلة، كما ان الجانب الروسي ملتزم بمساعدة سوريا ودعمها الى أقصى الحدود.

والامر نفسه ينسحب ايضاً على المراوحة في الاجتماعات بين الحكومة ومصرف لبنان وبين الجهات الامنية والحكومية والمصرفية حيث ان سلسلة الاجتماعات التي عقدت في الفترة الاخيرة، لم تخرج عن بعض الملاحقات التي يقوم بها الامن العام بحق المتلاعبين بسعر العملة الوطنية بينما لا قرارات ولا اجراءات جدية من جانب المصارف ومصرف لبنان وحتى الحكومة بهذا الخصوص.

واذا كانت مصالحة جنبلاط وارسلان لن تتجاوز نتائجها عن تخفيف الاحتقان في الساحة الدرزية، فالاجتماع المتوقع انعقاده في 25 الحالي في قصر بعبدا، لم يخرج عن كونه اجتماع بروتوكولي وفي احسن الاحوال اعادة «شعرة معاوية» للعلاقة بين بعبدا ورؤساء الحكومات السابقين، في حال قرر هؤلاء المشاركة في الاجتماع، على غرار ما حصل مؤخراً بين بعبدا والمختارة.

وفي الخلاصة، يلاحظ سياسي عتيق ان كل ما حصل من اجتماعات ومصالحات وما قد ينتج عن اجتماع بعبدا على اعتبار ان ما يتم تداوله عن طبيعة الملفات التي ستطرح والمقاربات لها، كلها لم تخرج عن اعادة انتاج نفس السياسات السابقة مع كليشيهات عامة عن التعايش والغرام بين اللبنانيين رغم احقية ما قاله النائب جميل السيد «الموجودون في اللقاء الذي سيعقد في بعبدا معظمهم سبب هذا البلاء، ومن الحقبة التي اوصلت البلد الى هنا»، وبالاخص رؤساء الحكومات السابقين الذين لبسوا ازياء تنكرية لوسم انفسهم بانهم «شرفاء مكة»؟!