من يهوذا الى الفراعنة: سأملأ السد شئتم أم أبيتم...

أجل، من أحفاد يهوذا الى أحفاد خوفو، واخناتون، وتوت عنخ أمون : سواء قال هيرودوت أم لم يقل «مصر هبة النيل». هذا الماء هو دم أثيوبيا، ولن نجعله يذهب الى الآخرين.

منذ أيام جون فوستر دالاس، وزير الخارجية في عهد دوايت ايزنهاور، والخطة الأميركية كانت تلحظ حصار مصر، أي حصار جمال عبد الناصر، بالأمبراطوريات الثلاث: تركيا (جلال بايار)، ايران (محمد رضا بهلوي)، وأثيوبيا (هيلاسيلاسي). لا تنسوا أي دور أنيط بـ«اسرائيل» التي كان دالاس يعتبرها «أمبراطورية الله».

مصر الآن، بتراثها وثرواتها، بسياساتها وبأدوارها، في الوعاء الأميركي. أين دونالد ترامب مما يفعله آبي أحمد بالمصريين؟ لن نسأل عن السودانيين الذي تعرض قاداتهم بيعهم، أو تأجيرهم، كمرتزقة، الى كل هواة الحروب العبثية.

أثناء محادثات كمب ديفيد، وعد أنور السادات مناحيم بيغن بتحويل جزء من مياه النيل الى صحراء النقب. هذه الصحراء التي كانت أرضاً مصرية واحتلها دافيد بن غوريون في كانون الأول 1948، أي بعد نحو سبعة أشهر من اعلان قيام دولة «اسرائيل».

اذ لم يتمكن الرئيس المصري من تنفيذ وعده (أو تعهده) خشية ردة فعل الناس، بدأ «الاسرائيليون» يفكرون بالسيناريوات التي تجعل من مصر «الرجل المريض» في المنطقة. آرييل شارون، وفي كل جلسات الحكومة المصغرة، وكما كشف ناحوم ناربيع، دأب على التوجس من ظهور جمال عبد الناصر آخر في أرض الكنانة، ويقلب المشهد الاقليمي رأساً على عقب...

«الاسرائيليون»، بالأدمغة الجهنمية، هم من اقترحوا على أثيوبيا، لتكون دولة فاعلة في المحيط، انشاء سد على نهر النيل. لم يقدموا لها السلاح فقط، ولم يدربوا الضباط على الطائرات والصواريخ فقط، استجلبوا لها أهم الشركات المتخصصة في بناء السدود. دول عربية حليفة لمصر شاركت في تمويل عملية انشاء السد.

منذ اسابيع، تحدثنا عن ديبلوماسية فاتن حمامة، وعن استراتيجية فاتن حمامة. مصر، أيها السادة، دعت مجلس الأمن الى التدخل من أجل حمل أديس ابابا على القبول باستئناف المفاوضات والتوصل الى حل متوازن قبل المباشرة في مل السد اعتباراً من الشهر المقبل. لعل صوت فاتن حمامة كان أكثر دوياً، أو أكثر تأثيراً، من صوت المندوب المصري في المنظة الدولية.

لن نتدخل في الجانب التقني من العملية. هذا لا يحول دون قول الحقيقة، كل الحقيقة، حين يكون موقف مصر، شقيقتنا، بل وأمنا، الكبرى، على ذلك المستوى من الهشاشة، ومن الارتباك، خلال المحادثات مع الأثيوبيين الذين لم يكونوا يرتدون القفازات الحريرية خلافاً للوفد المقابل، وقد بدا كما لو أنه يفاوض على شراء أكياس الصويا لا على قضية ترتبط بوجود البلاد والعباد.

لن نسأل عن جامعة الدول العربية، وعن أحمد أبوالغيط الذي قد لا تراه الا عالقاً بين العباءات الذهبية. بعض الصحافيين المصريين يصفونه بـ «رجل الحرملك». أحد هؤلاء أكد لنا أن مسؤولاً خليجياً طلب منه تأمين راقصة لحفل زفاف ابنه. غريب أن هذا المسؤول لم يطلب منه أن يؤدي هو رقصة هز البطن، تماماً كما هي حاله حين «يسلطن» بين أصحاب الألقاب الكبيرة.

لن نسأل أين العرب الذين لا مكان لهم لا في أجندات الأباطرة، ولا في أجندات أنصاف الأباطرة. نسأل الحكومة المصرية : أين أنت و... أين مصر؟

هذه الحكومة الفذة تعلم أن «اسرائيل» أعارت أثيوبيا منظومة القبة الحديدية للتصدي للطائرات، أو للصواريخ، المصرية، لا بل أن هناك معلومات حول مرابطة قاذفات «اسرائيلية» في قواعد أثيوبية للمؤازرة في حال اندلاع اي صراع عسكري.

أي صراع؟ من زمان اغرورقت عيون بهية (ياعيون بهية) بالوحول. وزير الدفاع الأثيوبي تحدى حتى واشنطن «نحن بنينا السد بمالنا، وبدمنا. لا أحد يملي علينا مواقفنا».

كلنا في الثلاجة الأميركية. خيارنا، كعرب، أن نكون... سوقاً للعبيد!