ازدحمت الساحة الداخلية بالرسائل السياسية المتعدّدة التي تبادلتها القوى البارزة خلال عطلة نهاية الأسبوع الفائت، في ضوء ما يتردّد من طروحات مالية واقتصادية ، وحتى أمنية، غداة انطلاق قطار قانون  «قيصر» الأميركي ضد سوريا. وقد استرعى مضمون هذه الرسائل أوساطاً ديبلوماسية غربية في بيروت، إذ وجدت فيها تضارباً في الآراء من قبل كل فريق بالنسبة لعنوان  «الفتنة» الذي عاد ليتصدّر أولوية الإهتمامات الداخلية، والذي أخذ حيّزاً كبيراً من النقاش والمواقف والبيانات من قبل كل قادة ورؤساء الأحزاب والتيارات كما المرجعيات الروحية.

وفي هذا الإطار، أشارت الأوساط نفسها، إلى أن الخطاب السياسي يكاد يكون واحداً على صعيد استخدام مفردات وتعابير ترفض عودة الفتنة، وتدعو إلى مكافحتها والحؤول دون اندلاعها مجدّداً، وذلك انطلاقاً من تجربة الحرب الأهلية الحاضرة في ذاكرة القيادات التاريخية، وليس في أجندات الأطراف السياسية الحالية، والتي تدعو على الدوام إلى التصعيد ضد الخصوم السياسيين، بصرف النظر عن تداعيات السجالات على المشهد الوطني العام، سواء في المرحلة الراهنة، أو حتى خلال السنوات القليلة المنصرمة، والتي أسّست للواقع الداخلي المأزوم.

وحذّرت الأوساط الديبلوماسية من تراجع القدرة لدى القيادات البارزة على الوقوف في وجه أي مخطّط لزرع الفتنة الطائفية على الساحة الداخلية، معتبرة أن ما من فريق لبناني قادر على الإستمرار في حال وقعت فتنة داخلية بين كل اللبنانيين، لأن الأقوى على هذا الصعيد سيكون الأكثر تضرّراً منها. وشدّدت على وجوب إدراك انعكاسات أي استفزاز أو صراع لبناني ـ لبناني حول العناوين المطروحة للنقاش الداخلي بدءاً بطروحات الإنقاذ الإقتصادي وصولاً إلى التدابير المقترحة للتخفيف من تداعيات قانون  «قيصر» على لبنان، ومن بينها الطرح المتعلّق  «بالتوجّه شرقاً» نحو الصين والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وإذا كان لبنان لا يزال يحافظ على توجّهه في مسألة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فإن هذا العامل، يؤكد، كما كشفت الأوساط الديبلوماسية نفسها، أن كل المقاربات المطروحة خلافاً لذلك، لا تستند إلى أية عناصر جدية أو معادلات مالية واقتصادية تعارض العلاقة مع المجتمع الدولي الغربي. ولذا، فإن التريّث الحكومي في سلوك درب هذا التحوّل من الغرب إلى الشرق، يعود إلى عدم وجود قرار لدى غالبية المكوّنات الحكومية بوضع حدّ لعملية التفاوض الجارية، أو الوصول إلى مرحلة الإستغناء عن العلاقات العربية والدولية، علماً أن تموضع لبنان في محور من محاور الصراعات الدولية والإقليمية، لن يؤدي سوى إلى مراكمة الخسائر على كل الأصعدة، بالإضافة إلى مواجهة العقوبات الإقتصادية والمالية الأميركية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، تطرح أسئلة عما إذا كان قانون  «قيصر» سيحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة في المنطقة، هنا أجابت الأوساط الديبلوماسية ذاتها، أن الهواجس محقّة لدى اللبنانيين من احتمال ترجمة الصراعات الإقليمية على الساحة المحلية، لكنها تلفت إلى أن الحكومة لم تتّخذ أي موقف حاسم حتى الآن، وهي لا تزال في طور النقاش، وبالتالي، ومن المبكر الحديث عن مثل هذه المخاوف في الوقت الراهن.