في لبنان كل شيء مسموح ومرغوب وغير قابل للاعتراض، لان الحجج الواهية تقف دائماً بالمرصاد  امام كل المعترضين، والانكى من كل ذلك بأن الجميع يوجّه الانتقادات وفي النهاية يسير على خطوات مَن إنتقدهم. ومن ضمن المواضيع والقضايا التي تواجَه دائماً بالانتقادات من قبل اللبنانيّين وحتى السياسيّين، موضوع التوريت السياسي في لبنان، الذي يشكّل ركناً أساسياً من النظام السياسي منذ ما قبل ولادة لبنان، وعبر العائلات الإقطاعية، مروراً بأغلبية العائلات التي  دخلت الحياة السياسية، والتي ما زالت تتوارث الزعامة حتى اليوم، ما جعل لبنان نموذجاَ يقتضى به في انتقال الزعامة من الأجداد والآباء الى الأبناء والأحفاد وصولاً الى الاقارب، وآخرها الى الاصدقاء كما حصل خلال تشكيل الحكومة الحالية، وكأن لا احد يستطيع الوصول الى مناصب مهمة غير افراد تلك العائلات، التي حكمت لبنان على مدى عقود من الزمن، تحت عناوين النضال المستمر والكفاح من اجل الوطن، فيما الحقائق تؤكد عبر الازمان ان هؤلاء يصلون دائماً على شهادات ونضالات وتعب المحازبين ابناء العائلات الفقيرة.

إنطلاقاً من هنا فحدّث ولا حرج عن اغلبية الاحزاب اللبنانية، وخصوصاً المسيحية منها التي تسلّل منطق الوراثة اليها بكل ديكتاتورية، فيما في انظمتها تنادي بالديموقراطية التي لم تعرفها اغلبية الاحزاب بإستثناء العلمانية منها، في ظل منع ترشيح أي شخص الى رئاستها، وكأن حزبها من املاك وميراث العائلة، بحيث لا يجد هؤلاء أي إستغراب في ترشحهم، او ترشح ابنائهم الى أي منصب بارز في احزابهم، خصوصاً رئاستها، في حين ان النظام اللبناني لا ينص على الوراثة في الأحزاب أو في المقاعد النيابية والوزارية، لكن هذا التملّك أوجده مالكو تلك الاحزاب منذ عقود من الزمن، في ظل الهيمنة الطائفية والمذهبية لمعظم الاحزاب اللبنانية.الى ذلك تبرز الامثلة على ما نقوله بكثرة وبواقعية جداً، منها ما جرى ويجري في حزب الكتائب منذ غياب مؤسسها بيار الجميّل، وإن مرّ على التداول برئاستها عدد من المسؤولين الحزبيين خارج إطار عائلة الجميّل كالسادة: ايلي كرامة وجورج سعادة ومنير الحاج وكريم بقرادوني، لكن كل هؤلاء وصلوا في زمن الوصاية، وفي ظل تواجد الرئيس امين الجميّل في المنفى، لكن وبعد عودته جرت اتفاقيات في الكواليس لتسلّمه رئاسة الحزب، ومن ثم وبعد سنوات قليلة، اراد نجله سامي وعلى أثر إستشهاد شقيقه الوزير الراحل بيار، ان يتبوأ رئاسة الحزب على الرغم من انه لم يكن كتائبياً بل مؤسساً لحركة «لبناننا»،  لكنه نزل بالبراشوت على رئاسة الحزب، على الرغم من ان الرئيس امين الجميّل لم يكن يريد العزوف عن الترشح لرئاسة الحزب كما قيل حينها، أي  في حزيران من العام 2015،  لكن نجله سامي هدّده بالسفر وبترك كل شيء نهائياً، فما كان منه الا القبول مُرغماً في ظل هذا التهديد، والكل يعرف هذه القصة، وكيف تم تمريره لرئاسة الحزب تحت عنوان «عرس الديموقراطية»، فيما الامر إقتصر على مسرحية ترشح الصحافي بيار عطالله الى المنصب، والامر عينه مرّ العام الماضي بغياب أي مرشح لرئاسة الكتائب، فعاد النائب سامي الجميّل الى مكانه سالماً، في ظل صمت كبير من المحازبين غير القادرين على الاعتراض، مع الاشارة الى ان المشهد الحزبي المذكور، تكرّر ايضاً في المشهد النيابي، كما لدى كل الاسر المتواجدة في السلطة.

ولحزب الوطنيّين الاحرار مشهد مماثل، لكن من دون مسرحيات، فبعد غياب الرئيس كميل شمعون في العام 1987 ترأس نجله الشهيد داني هذا المنصب، وبعد إغتياله في العام 1990 عاد شقيقه دوري من الخارج لتوّلي الرئاسة، وبالتأكيد وبعد عمر طويل سيترأس كميل دوري شمعون رئاسة الوطنيّين الاحرار، أي ان القصة تتكرّر من الاجداد الى الاحفاد.

المشهد مماثل مع تيار المردة، من الرئيس الجدّ  الراحل سليمان فرنجية، الى الشهيد طوني فرنجية، وصولاً الى سليمان الابن، وحالياً طوني  الحفيد، في اطاريّ تيار المردة والنيابة.وبدورها رئاسة التيار الوطني الحر، التي لم تأت من وراثة وزعامة سياسية، بل من قائد عسكري للجيش اللبناني، لم تدخل عائلته نوادي السياسة في أي مرة، كاد ان يكون في عداد التيارات المختلفة، لولا مجيء الصهر جبران باسيل لرئاسة التيار، ما جعله كتيار ضمن صفوف الاحزاب الوراثية.

الامر عينه إنطبق على الكتلة الوطنية، التي أورثت الزعامة من الرئيس الراحل اميل اده الى العميد ريمون اده، ومن ثم الى ابن  شقيقه  كارلوس، لكن الكتلة عادت وسارعت لتخطيّ تلك الوراثة، عبر إجراء انتخابات اوصلت السيّدة سلام يموت الى رئاسة الكتلة في كانون الاول من العام 2019، بعد انتهاء ولاية كارلوس اده. ال معوض وصلوا بالطريقة عينها، بعد إستشهاد الرئيس رينه معوض، بحيث  تسلّمت زوجته نايلة زمام الامور إن في النيابة او الوزارة، وصولاً الى ترؤس نجله ميشال معوض حركة الاستقلال، ومن ثم وصوله الى النيابة.الى جانب كل ما  ذكر، ومن خارج الاحزاب المسيحية، يبرز الحزب التقدمي الاشتراكي ضمن هذا المشهد ايضاً، من الست نظيرة جنبلاط الى الشهيد كمال، ومن ثم وليد فتيمور، الذي لم يكن راغباً ابداً في العمل السياسي، لكنه وصل الى النيابة والى رئاسة كتلة الاشتراكي ايضاً، على الرغم من صغر سنه ووجود نواب في التكتل يكبرون والده سناً.

ولا يقتصر التوريث على هؤلاء فقط، فعلى الرغم من ان الرئيس سعد الحريري لم يصل الى الزعامة بالطرق التي ذكرناها، بل بعد إغتيال والده الشهيد رفيق الحريري، مع أنه من خارج العائلات السياسية السنيّة التقليدية، أي لم يكن محضّراً لذلك، ولم يخضع لتدريب سياسي، لكنه اضطر على توّلي السلطة وزعامة تيار المستقبل، ورئاسة أكبر كتلة نيابية حينها. كما تبرز الوراثة بكثرة في المجلس النيابي، فتتكرّر الوجوه  والتبديل يقتصر على أفراد الاسرة الواحدة، مما يعيق أي تغيير في الأداء السياسي. في غضون ذلك يُستثنى من ذلك، الاحزاب العلمانية كالحزب الشيوعي والحزب السوري القومي، إضافة الى حزب الله على الرغم من انه ليس علمانياً، لكن تبوأ رئاسته الشيخ صبحي الطفيلي ومن ثم عباس الموسوي، وصولاً الى الامين العام للحزب السيّد حسن نصرالله، أي ان الاسماء لم تقتصر على العائلة ذاتها.

مصادر اكاديمية مطلعة على دور الاحزاب اللبنانية  شدّدت على ضرورة الاختراقات من جانب لوائح المجتمع المدني، للتعبير عن حالات اعتراضية على الأداء السائد، وطريقة انتقال السلطة ضمن العائلة من جيل الى أخر، ورأت بأن التوريث السياسي في لبنان تقليد يتعارض بالمطلق مع مبادئ الدستور وتكافؤ الفرص، ودعت الى مكافحة هذه الظاهرة عبر النخب المثقفة وهيئات المجتمع المدني،  لان  من ابرز سلبيات التوريث إقفال الابواب امام نخب قيادية جديدة، ما يجعل الهوية الطائفية تحّل دائماً مكان الهوية الوطنية، وكل هذا يفاقم الوضع سوءاً، لانه يعيق مسيرة التطور نحو بناء دولة المؤسسات، دون قانون جديد للأحزاب يحترم الحريات العامة، ويعزز الديمقراطية ويحد من الانتماءات الفئوية، ويجعل الديكتاتورية  بنداً بارزاً في المضمون الحزبي.