في غمرة الاستحقاقات والأزمات اللبنانية هذه الأيام يبدو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط كمن يغرّد في سربه الخاص البعيد عن الحسابات الرائجة للموالاة والمعارضة ولو كان محسوباً على الأخيرة بشكلٍ أو بآخر، وتقول أوساط سياسية أن جنبلاط تخطّى معارضته المُعلنة للعهد ولا سيما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والتي سبق أن خاض فيها أشرس خصومه، فكرّس الأجواء المصالحة معه رافضاً الحديث عن ندم على انتخابه رئيساً للجمهورية كما فعل غيره مّمن عملوا للتسوية الرئاسية يوماً قبل أن ينقلبوا عليها أو تنقلب عليهم.

وكان لافتاً كيفية مسارعة جنبلاط إلى تلقّف الدعوة الرئاسية إلى  «اللقاء الوطني» المفترض عقده يوم غد الخميس بإيجابيّة وفق قاعدة أنّه من الداعين إلى الحوار بصورة دائمة. بالتالي حريٌ به الترحيب بأيّ حوار بدل مقاطعته ما فُسّر على أنّه «غمزٌ» من قناة بعض «الأصدقاء» الذين نعوا الحوار قبل حدوثه، وتضيف الاوساط عينها أنه لم يكن مستغرَباً تحييد رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل لجنبلاط بشكلٍ أو بآخر عن «لائحته الهجومية» في مؤتمره الصحافيّ الأخير على رغم أنّه جاء بعد أيامٍ على صدور القرار الاتهامي في حادثة قبرشمون. وفي حين حاول جنبلاط بنفسه التقليل من وقع موقفه بتصويره «مبدئياً»، باعتبار أنّه لطالما كان من الداعين إلى الحوار، فبالتالي لا بدّ أن يكون منسجماً مع أقواله على رغم تناقض هذا «المبدأ» مع سجلّ جنبلاط الحافل بالكثير من الانعطافات السياسيّة وحتى الاستراتيجيّة، فإنّ الاوساط نفسها التي تعي أدبيّات الرجل يعتقدون أنّ موقفه هذا نابعٌ من خوف لديه من أيّ إنفلات سياسي يمكن أن يؤدي الى خربطة أمنية وهو خوفٌ سبق ان شهد عليه موقفه في أحداث السابع من أيار الشهيرة فضلاً عن كونه يتشارك اليوم مع بري الذي قرع خلال الأسبوع الماضي «جرس الإنذار» مراراً على خلفيّة بعض التحرّكات الشعبيّة التي خرجت عن مساره.

او تشير الاوساط عينها إلى أنّ مسلّمات الوفاق الوطني هي التي تعلو ولا يُعلى عليها في قاموس زعيم المختارة وأنّ الوقت ليس الأمثل للغرق في مستنقعات السياسة ودهاليزها الكثيرة فيما البلد يغرق والانهيار وقع وما يجري اليوم هو محاولة «ترقيع» لا أكثر ولا أقلّ وربما الحدّ من الأضرار، وما كان لافتا «الحراك» الذي رُصِد على خطه الأسبوع الماضي والذي قاده إلى بيت الوسط حيث أطلق «جبهة دعم للرئيس سعد الحريري، فيما كان ممثلون عنه يلتقون رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع تحت عنوان تنسيق المواقف. ولعل هذا الحراك يمثل إشارة واضحة وحرص على الإنفتاح على القوى المعارضة للحكومة وأن يدحض فرضية عودة التموضع التي انتشرت سريعاً لتفسير حراكه المستجدّ، وكأنّ الرجل يمهّد لانعطافةٍ جديدةٍ مثلاً ، وأبعد من ذلك كله، تلفت هذه الاوساط، الى ما يمكن إعتباره يشكل حنينا من قبل جنبلاط في محاولة لاستعادة أمجاده السابقة القائمة على تشكيله بيضة القبان الفاصلة بين معسكريْن، وهذا ما أعطاه على مدى سنوات حيثيّة لم يتمتّع بها أحدٌ سواه هي التي جعلت منه صاحب القرار والفصل في البلاد وهي ميزة افتقدها مع الخريطة السياسية الجديدة  التي تبلورت منذ ما قبل ولادة العهد الحاليّ وتحديداً مع انتهاء الانقسام العمودي بين ما يعرف بقوى الثامن والرابع عشر من آذار.

وتختم هذه الاوساط سردها بالقول: إن جنبلاط يتملكه الخوف الكبير من الانهيارات الواسعة على الصعد كافة إن كانت إقتصادية أو سياسية وحتى أمنية وجلّ ما يتمناه أن تمر هذه العاصفة الهوجاء بأقل الاضرار عليه وعلى لبنان، وهو مستعد حسب الاوساط الى الذهاب أبعد مما قام فيه قبل أن يتجرع الكأس المرّة ليس وحده فحسب بل كل لبنان.