ما الذي ادى الى بروز تباين بين ما توصل اليه مجلس النواب والارقام الواردة في خطة الحكومة، وما هي الخطوات المطلوبة لمعالجة هذا التباين من اجل توحيد الموقف اللبناني في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟

في الاجتماع الاخير الذي عقد بين الرئيسين بري ودياب في عين التينة اخذ هذا الموضوع حيزاً مهماً من البحث. وركز رئيس المجلس على اهمية توحيد الموقف اللبناني في التفاوض مع الصندوق، مشدداً في الوقت نفسه على انه بدلاً من التلهي في التجاذب حول هذا الموضوع وتكبيره فان المصلحة تقضي الذهاب الى المفاوضات مع صندوق النقد بمقاربة موحدة حول الارقام والحسابات تنطلق من مصلحة لبنان وليس من اي شيء آخر.

كيف وصلت الامور الى بروز هذا التباين؟

تختلف الآراء حول تحديد الاسباب التي ادت الى هذا التباين، لكن النواب الذين شاركوا في اجتماعات لجنة المال لمناقشة خطة الحكومة المالية وارقامها وجدوا بعد بضع جلسات ان هناك ثغرات واخطاء في بعض ارقام الحكومة، كما ان الارقام التي عرضها مصرف لبنان والمصارف لم تكن بمجملها دقيقة او صحيحة نتيجة طريقة الحسابات المعتمدة لكل جهة.

ويقول احد اعضاء اللجنة انه في البداية كان هناك تعاطف مع وجهة نظر الحكومة، لكن المصرف المركزي والمصارف جندوا طاقاتهم لشرح وجهات نظرهم من كل حساب ورقم مطروح، مقابل نوع من ضعف اداء لدى وزارة المال في الدفاع عن وجهة نظر الحكومة.

ويضيف المصدر لقد كنت من اشد المتحمسين لدعم وجهة نظر الحكومة، لكن بعد جلسات عديدة اتضح لي شخصياً ان هناك ثغرات واغلاط في بعض حسابات الحكومة منها على سبيل المثال حساب التسليفات الذي تدنى باعتراف لجنة الرقابة على المصارف.

وبرأيه ان هذا لا يعني ان حسابات الحكومة كلها مغلوطة او ان حسابات المصرف المركزي والمصارف كلها صحيحة. من هنا، تبلورت فكرة لجنة المال في وضع مقاربة مشتركة للحسابات والارقام، وهذه النتيجة لا تعتبر تحدياً للحكومة او توجها للخلاف معها بقدر ما هي محاولة تصحيحية يراد منها تأكيد ارقام لبنان وتعزيز موقفه التفاوضي مع صندوق النقد من خلال موقف موحد.

ويقول المصدر ان الرئيس بري اعطى توجيهاته سريعاً من اجل معالجة وتوحيد المقاربة بشأن الحسابات والارقام من دون احداث خلاف او تكبير حجم المشكلة، ملاحظاً ان معاونه السياسي ووزير المال السابق علي حسن خليل اخذ يشارك اكثر في مناقشة هذا الموضوع.

ويؤكد مصدر سياسي مطلع ان صندوق النقد لم يعط بعد 13 جولة من المفاوضات مع الوفد اللبناني اي رأي بالارقام او بطروحات لبنان، وهو يستمع في كل جولة الى اجوبة الوفد حول الاسئلة التي يطرحها.

وقال انه من البديهي ان يتعامل الصندوق كما في كل المفاوضات التي يجريها مع الدول مع الارقام المرتفعة لان في ذلك مصلحة له ولطريقة تعامله في مسألة تقديم القروض والدعم المالي للدول المتعثرة.

واعتبر المصدر ان الحكومة تسرعت في انجاز واعلان خطتها المالية والانقاذية، وكان عليها ان تتريث اسبوعين او اكثر من اجل تفادي الثغرات التي ظهرت في الخطة والتي ادت الى اهتزاز موقفها في المفاوضات مع الصندوق خصوصاً بالنسبة لموضوع الاختلاف في الارقام مع مصرف لبنان والمصارف، ولاحقاً في ما توصلت اليه لجنة المال.

وفي اشارة الى طريقة تفاوض الصندوق الدولي مع لبنان، يقول المصدر نفسه ان الصندوق يحرص على توسيع رقعة اجتماعاته لتطاول الجهات المعنية جميعاً في لبنان الى جانب المفاوضات مع الوفد الرسمي، وهذا الامر ليس فيه اشكالية او ضرر طالما ان التفاوض والاجتماعات تجري على اساس ارقام موحدة من الجانب اللبناني غير ان المشكلة تبرز في الاختلافات التي ظهرت حول الحسابات والارقام.

من جهة اخرى يرسم المصدر صورة قاتمة حول الوضع النقدي المتدهور والمتدحرج نزولاً في ظل استمرار الضغوط التي يتعرض لها لبنان المضافة الى ازمته الاقتصادية والمالية الناجمة عن اسباب عديدة ابرزها سوء اداء الحكومات السابقة والفساد والهدر على غير صعيد.

وبرأيه ان المشكلة ليست في فوضى سوق النقد فحسب بل في شح الدولار للاسباب الآنفة الذكر، مشيراً الى ان تعاميم مصرف لبنان المتتالية والقرارات الحكومية الاخيرة لم تؤد الى فرملة ارتفاع سعر الدولار وانهيار الليرة، لانها لم تأخذ بعين الاعتبار حقيقة العوامل التي ادت وتؤدي الى هذه الازمة.

ويؤكد المصدر ان المطلوب اجراءات وقرارات فورية جريئة تتجاوز القرارات «التقنية» لان المشكلة ابعد من نطاق الحسابات المالية او الاقتصادية.