في ظل كل الكوارث القائمة في لبنان من انهيار اقتصادي ومالي، وصعوبات معيشية وبطالة واقفال مؤسسات، وإقالة موظفين وغلاء مستشر مخيف، وجمود اموال اللبنانيّين في المصارف، ووقوفهم يومياً طوابير لسحب جزء بسيط من مدّخراتهم وشقائهم على مدى سنين، كل هذا جعل اكثرية العائلات اللبنانية ضمن خط الفقر والبعض ما دونه، ما انتج حالة عامة تشاؤمية جداً وفاقدة لأي أمل لدى الشباب، بسبب عدم قدرتهم على تحقيق احلامهم وطموحاتهم في وطنهم، والى ما هنالك من مصاعب لا تعّد ولا تحصى تطوّق لبنان واللبنانيّين.

 إزاء هذه المشاهد المرعبة، تنتشر أخبار عن هجرة لبنانية بأعداد كبيرة، ومن جميع الطوائف وبصورة خاصة المسيحية منها، مع بدء الاعلان الرسمي لفتح مطار رفيق الحريري الدولي مطلع تموز المقبل. وانطلاقاً من هذه المآسي، تنقل مصادر دينية مسيحية هواجس بكركي وسيّدها البطريرك بشارة الراعي، عن تدفق في هجرة المسيحيين من لبنان، بحيث تشير الاحصاءات الى تزايد اعدادها وبقوة ، لافتة الى قلق الصرح البطريركي، ودعوته الدولة الى إتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا النزف المستمر. مع الاشارة الى ان أعداد المسيحيين سبق ان تضاءلت بشكل كبير في السنوات الماضية، وما قبلها خصوصاً في العام 1990، وتواصلت هذه الاعداد بالتفاقم، ما يهدّد الوجود المسيحي في لبنان، بسبب الخلل الديموغرافي الذي يتصاعد يوماً بعد يوم، خصوصاً انهم يهاجرون الى الدول البعيدة كأميركا وكندا واوستراليا ، مما يعني ان ظروف العودة تصبح صعبة للغاية لا بل مستحيلة، لانهم إستقروا هناك على جميع الاصعدة، فتلك الدول تقدّم التسهيلات ولم تعد تضع شروطاً قاسية، لمنح تأشيرات الإقامة والدراسة.

وفي هذا الاطار يبدي رئيس مؤسسة « لابورا « التي تُعنى بتأمين فرص عمل للشباب المسيحيّين، الاب طوني خضرا في حديث لـ« الديار» مخاوفه من خطر الهجرة اللبنانية ككل، أي مسيحيّين ومسلمين، ويشير الى انهم كمؤسسة اجروا قبل حوالى ثلاثة اسابيع احصاءً شمل 500 شاب وفتاة، لمعرفة مدى تأييدهم وتوقهم الى الهجرة، فأتى الجواب صادماً بعد نتيجة اظهرت شغف 69 % منهم الى الهجرة فور فتح المطار، وهذا رقم مخيف، مشدّداً على ضرورة ان يكون هذا الملف ضمن اولويات الحكومة والمسؤولين، خصوصاً خلال «اللقاء الوطني» الذي سيعقد غداً الخميس في قصر بعبدا، إضافة الى بحثه ومعالجته في الجلسات المرتقبة للحكومة، وإتخاذ  قرارات إستثنائية عاجلة، واشار الى ان هذه القضية يتم النقاش بشأنها مع المرجعيات الكنسية.

من ناحية اخرى، طرح الاب خضرا تساؤلات عن مدى ملائمة الوضع اليوم للهجرة، في ظل الظروف التي تعاني منها دول العالم، بسبب انتشار وباء كورونا، والتداعيات التي نتجت عنه، من مخاوف صحية وبطالة وأوضاع اقتصادية متأزمة، أي ان هنالك صعوبة في إستقدام المزيد من طالبيّ العمل في بلدانها، فضلاً عن مشكلة كبيرة سنعاني منها فور فتح المطار في بيروت، وهي الهجرة المعاكسة أي عودة اليد العاملة اللبنانية من بعض دول الخليج ، وهناك ارقام مخيفة في هذا الاطار.

ورداَ على سؤال حول مدى وجود مخاوف رسمية ودينية مما يجري، قال: «منذ ثلاثين عاماً نعاني من مشكلة الديموغرافيا في البلد، لذا أسال كل المصادر المتخوّفة ما هي خطتها اليوم لتفادي هذا الخطر الكبير؟، اذ على الدولة والكنيسة ان يقوما بدورهما  للحدّ من الهجرة، إلا اذا كان المسؤولون في الدولة مرتاحين وفرحين بهجرة الشباب، لإسكات صوت الثورة والاحتجاجات.

وعن دور بكركي، رأى انّ دورها هو التوعية، لانها لا تستطيع إيجاد فرص عمل للشباب، لكن نحن قدمنا أراءنا للكنيسة حول هذا الملف، واصفاً المرحلة بالأخطر منذ العام 1918، وهذا ما يدعو الى إتخاذ خطوات عاجلة، وعلينا ان  ننسى كل مشاكلنا وخلافاتنا الداخلية، ونكون الى جانب هذا الجيل الشاب الذي فقد كل رجاء بلبنان وبالحكومة والمرجعيات، لان لا ثقة بهم وحين يفقد اهل البلد الثقة ببلدهم ومسؤوليهم، فهذا يعني نهاية الدنيا. لذا وإنطلاقاً من هنا ومع غياب بوادر الامل، فهجرة الشباب تعني كارثة اجتماعية كبيرة جداً.

وطالب الاب خضرا عبر «الديار» بضرورة دق النفير، ومعالجة هذه القضية بأقصى سرعة، لان الخوف على لبنان يتزايد، خصوصاً حين تغيب المشاركة لان الاهمية في التنوّع.

وفي اطار ما يُحكى عن صعوبات كبيرة جداً خلال الاشهر الستة القادمة ، ختم:  «للاسف نحن في قلب الانهيار ولا يوجد اخطر من ذلك، فالمال فُقد من ايديّ الناس والاسعار ترتفع في السوبرماركت، التي تحتسب الدولار على ال 5500 واكثر وكل الاسعار الى تفاقم يومياً ، والطبقة الوسطى غابت وباتت فقيرة، والمؤسسات والموظفون يُسرّحون من اعمالهم، والدول اقفلت ابوابها تجاهنا وترفض التعامل معنا ومساعدتنا، والقطاعات الصناعية والزراعية والسياحية معدومة، فهل هنالك اكبر من هذا الانهيار حتى نصل خلال الستة اشهر المقبلة الى الاسوأ؟، سائلاً ما الذي سيفعله اللبنانيون الذين يصرفون اليوم من اللحم الحيّ حين تنتهي اموالهم؟، وبعض مَن بقي في عمله ويتقاضى نصف راتب او اقل؟، فالقصص المآساوية ستكرّر بالتأكيد وتزداد، لكن على مستوى اكبر بكثير.