الاخطار الخارجية لا تقل وطأة عن الخطر الداخلي المالي الذي يعيشه لبنان فهذا الصيف مليء بتطورات واحداث اقليمية ودولية سيكون لها تاثير كبير على الساحة اللبنانية . الفلسطينيون مقبلون على  انفجار بركان شعبي كبير في بداية تموز عندما تقدم اسرائيل على ضم اجزاء من الضفة الغربية الى سيادتها الى جانب الضغوطات التي سترتفع وستكون اشد قسوة على لبنان خلال المرحلة التي ستسبق الانتخابات الرئاسية الاميركية الذي موعدها في تشرين الثاني من هذه السنة الحالية. فهل سيتمكن لبنان من تحصين وضعيته لتحمل الاعباء الاقليمية والدولية التي ستطال شظاياها الدولة اللبنانية؟

وعليه، لبنان امام اختبار كبير في قدرته على الصمود في ظل انتفاضة فلسطينية مرتقبة احتجاجا  على طموح الكيان الصهيوني بقضم المزيد من الاراضي الفلسطينية وايضا لطاقته في تحمل الحصار الاميركي وتمكنه في التماسك امام ضغوطات واشنطن حتى موعد الانتخابات الرئاسية في ظل اسوأ ازمة مالية يشهدها لبنان.

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل يتحلى لبنان بمناعة تخفف من وطأة الضغوطات الخارجية والداخلية؟ المؤشرات الاقتصادية تدل الى ان وضع لبنان من سيئ الى اسوأ حيث تضخم الاسعار الغذائية وصل الى نسبة 190% ما يعكس تراجعاً كبيراً في قيمة الليرة اللبنانية وفقا لموقع «بلومبرغ». ويذكر ان هذه النسبة في التضخم التي وصلت الى مستويات خطيرة حصلت في اعقاب الحرب الاهلية اي قبل ثلاثة عقود.

واليوم انخفضت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد في السوق السوداء ونتيجة ذلك اصبحت الواردات باهظة الثمن، الى جانب ارتفاع اسعار المطاعم والفنادق في لبنان بنسبة 240% وفقا لموقع «بلومبرغ».

وتعقيبا على ذلك، تساءلت اوساط اقتصادية عن مدى قدرة لبنان في تحمل الضغط النقدي والحصار المالي؟ ذلك ان الازمة المالية تتفاقم ولا حلول في الافق من قبل الحكومة لمعالجة الازمة بطريقة فعالة الى جانب الضغوطات المتواصلة التي تمارسها واشنطن على لبنان مستهدفة حزب الله. ولكن التاريخ مليء بالامثلة التي تدل الى ان العقوبات تطال الشعب الفقير. فمتى اثرت العقوبات التجارية والمالية على الاغنياء واصحاب النفوذ؟ الشعب وحده يدفع فاتورة العقوبات والحصار المالي التي تفرضه الادارة الاميركية عبر قانون قيصر وعبر وسائل اخرى حيث جعلت لقمة العيش مهددة في هذا البلد الصغير. والاسوأ ان قانون قيصر سيدفع بالمواطنين اللبنانيين الى الهجرة بشكل كبير بسبب العقوبات القاسية التي وحده المواطن يتحمل تداعياتها.

اما سياسيا، وللاسف يوجد تناغم  بين الكلام الاميركي العدائي لحزب الله وبين بعض القوى السياسية اللبنانية التي ترى في المقاومة عدوة لها. وواشنطن المصممة على مواصلة الضغط على حزب الله انما ذلك  يطال كل الشعب اللبناني الامر الذي سيؤدي الى المزيد من التدهور المالي وسيحدث المزيد من الفوضى ولذلك لا تستبعد مصادر ديبلوماسية شرارة نارية تشعل حربا بين حزب الله واسرائيل او جولات تصعيدية بين الطرفين. والحال ان امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله كان واضحا في كلمته الاخيرة عندما قال: «اذا اردتم قتلنا فسنقتلكم». وبمعنى اخر اراد سماحة السيد حسن نصرالله توجيه رسالة واضحة للولايات المتحدة ولاسرائيل انه  اذا استمر الضغط الاميركي بشكل تصاعدي لارباك الساحة اللبنانية واحداث الشغب والفوضى والفلتان الامني في لبنان فان ذلك لن يمنع من اندلاع شرارة اوسع تأخذ اشكالاً نحو الخارج اي بمعنى اخر احتمال حصول حرب بين اسرائيل وحزب الله».

 لماذا يزداد الفقراء في لبنان؟

في معظم الاحوال، عادة يكون سبب الفقر في بلد نقص في الموارد او نتيجة حصول حرب داخلية دمرت البنية التحتية وانهكت الاقتصاد ولكن في لبنان السبب مختلف لارتفاع نسبة الفقر بهذه السرعة الرهيبة ذلك ان الفقر في بلدنا يعود الى الفساد والهدر والانفاق الحكومي العشوائي والفاقد للشفافية فلا توجد اية تقارير او بيانات تشرح تفاصيل كيفية صرف الاموال التي حصلت عليها الحكومات السابقة.

ورغم ان قانون قيصر له تداعيات سلبية على لبنان الا ان المعاناة التي يعيشها اللبناني التي ادت الى انفجار شعبي بسبب الجوع والعوز حصل قبل قانون قيصر وبالتالي لبنان لم يختبر بعد التأثير السلبي لـ «قيصر». بيد ان قانون قيصر اقل وطأة وايلاما على اللبنانيين من الاجراءات الحكومية القاسية التي تسعى الى تنفيذها على غرار وقف دعم المحروقات الذي سيكون له وقع سيئ وقاس على المواطن اللبناني وخاصة الطبقة الوسطى والفقراء. ذلك ان الحكومة تبرر هذا الاجراء بانه سيوقف التهريب الى سوريا ولكن هناك اجراءات اخرى يمكنها ان تفي بالهدف المنشود دون جعل حياة اللبنانيين حياة بؤس ويأس اكثر مما هي عليها. وعلى سبيل المثال، تقول اوساط سياسية ان الحكومة عليها لا بل يجب ان تقفل المعابر الغير شرعية ووضع ضوابط امنية منعا لاي تهريب من لبنان الى سوريا وفي الوقت نفسه تبقي الدعم للمحروقات.

 غضب الشارع سيكون مدويا 

بموازاة ذلك، تؤكد اوساط سياسية ان غضب الشارع لم يتم احتواؤه وان الجوع يزداد وبات يطال شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني كما ان الاسعار ترتفع وبالتالي القدرة الشرائية لدى المواطن اللبناني تتراجع ايضا. اضف الى ذلك، شركات ومؤسسات عدة اقفلت بسبب الوضع الاقتصادي السيئ مما رفع نسبة البطالة. وكشفت مصادر اقتصادية ان الدولار غير موجود والمبيع سيصبح على حاجته وليس على سعره وبالتالي هكذا اصبح عمل الصيارفة في لبنان.

من هنا، كلما تفاقمت الازمة المالية كلما زادت نقمة الناس على الحكومة وجميع القوى السياسية داخل الحكومة وخارجها ولذلك المظاهرات ستتكرر وستتواصل وفي كل مرة ستكون اشد عنفا وشراسة.

ذلك ان الهوة بين الناس من جهة والسلطة من جهة اخرى تتسع اكثر فأكثر لان الاخيرة لم تقدم حتى هذه اللحظة الى اي مبادرة فعلية حقيقية تعالج سبب الازمة المالية ولم تطبق اي اصلاحات. ولذلك يوما بعد يوم يصبح الامر صعبا لاعادة احياء ثقة المواطن بدولته خاصة ان الناس وصفت التعيينات المالية التي حصلت مؤخرا والتي ارتكزت على المحاصصة بالوقاحة واستفزاز لهم معتبرة ان السلطة لا تزال غير مهتمة في وجع المواطن اللبناني ولا في اصلاح الدولة التي تنهار شيئا فشيئا. فهل تعتقد الدولة ان باستطاعتها لجم الناس من النزول الى الشارع للتعبير عن غضبهم؟ وهل تعتقد الدولة ان المجاعة عند حصولها لن تؤدي الى وقوع احداث تراق فيها الدماء؟

 الحكومة: خطوات غير مدروسة تضعف موقعها

في غضون ذلك، تقول اوساط متابعة ان الحكومة لا تتصرف بذكاء فهي تطرح فكرة رفع الدعم عن المحروقات والطحين قبل الحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي. وترى هذه الاوساط ان طرح وزارة الاقتصاد بوقف الدعم على المحروقات تدل على تسرع غير مدروس وعشوائي الامر الذي يظهر ان الحكومة لا تعتمد استراتيجية واضحة.

وعليه، اذا  اكملت الحكومة على هذا المنوال فهي لن تصل في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الى نتيجة مرضية. ذلك ان الناس تعيش الامرين ولا تزال الدولة تدعم المحروقات فما بالكم بحالة الناس اذا قررت وزارة الاقتصاد رفع الدعم عن البنزين والمازوت؟ بيد ان الدولة المصرية اوقفت الدعم عن المحروقات والحاجات الاساسية فقط عند حصولها على مبلغ مالي كبير مكنها من القيام بهذه الخطوة.

 المفاوضات مع صندوق النقد: توحيد الارقام قريبا 

من جهة اخرى، هناك بوادر ايجابية في عملية توحيد الارقام بين الحكومة ولجنة المال والموازنة لتعزيز وضع لبنان في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي علما ان الاخير لم يعلن اي موقف خلال جلسات التفاوض بل يكتفي بالاصغاء الى ما يقوله الوفد اللبناني.

وعلمت الديار ان صندوق النقد الدولي اجتمع امس مع لجنة المال والموازنة التي يترأسها النائب ابراهيم كنعان واعضاؤها النائب ياسين جابر والنائب نقولا نحاس لمناقشة النتائج التي توصلت اليها اللجنة. واستطاع النائب كنعان تقليص الفرق في الارقام بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف انما ذلك كشف تباعداً في الرؤية بين كنعان والوزير السابق جبران باسيل رغم انهما ينتميان الى الفريق السياسي ذاته حيث ان باسيل يؤيد ارقام الحكومة ويعتبرها الاصح في حين لكنعان مقاربة اخرى في تقييم «خسائر» القطاع المالي.

وفي هذا المجال، قالت مصادر اقتصادية للديار أن: «الطريق طويل في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وعلى لبنان ان يكون صريحا في مقاربة ازمته المالية والا سيفقد الفرصة المتاحة امامه في الحصول على مساعدة مالية من الصندوق» الذي يبرز على انه الخيار الوحيد والمتبقي لاسعاف الاقتصاد اللبناني.

 لقاء بعبدا اساسي لدحض الفتنة وتحصين الداخل اللبناني

وفي سياق متصل، قالت اوساط سياسية للديار ان لقاء بعبدا الذي دعا اليه رئيس الجمهورية هو لقاء اساسي وضروري للحفاظ على السلم الاهلي والاستقرار الامني. وتابعت ان هذه هي اولوية هذا الحوار لذا من يقاطع اللقاء في ظل الخطر الذي يحدق بلبنان من كل حدب وصوب انما لا يقاطع الرئيس عون بل يقاطع الجهود التي تبذل من اجل صون الوحدة الوطنية.

وتعقيبا على اعلان رؤساء الحكومات السابقة عدم المشاركة في لقاء بعبدا واي فريق سياسي سيغيب عن الحوار في القصر الجمهوري، نقل زوار رئيس الجمهورية ميشال عون ان من يقاطع اللقاء فهذا قراره و«ليتحمل مسؤولية تغيبه فالمناسبة وطنية وليست اجتماعية للبحث بموضوع اقلق اللبنانيين، وهو التطورات الامنية في بيروت وطرابلس وبعد ردود الفعل التي ظهرت عن المتظاهرين ولامست الخط الاحمر وهو الفتنة».

 الحريري: لا تطبيع مع العهد وباسيل

 تقول المعلومات ان المشكلة الاساسية بين الرئيس عون ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري هو رفضه التطبيع مع عون واصراره على مقاطعة العهد ولذلك امتنع عن المشاركة في لقاء بعبدا غدا. فمن جهته، يحمل الحريري  الوزير جبران باسيل مسؤولية افشال حكومته وان جزءاً من استقالته يعود لتصرفات العهد وباسيل بسبب عناد الاخير وتشبثه مما ادى الى عرقلة الحكومة في اتمام مشاريعها.

اما النائب سليمان فرنجية فهو لن يحضر لقاء بعبدا لعدة اسباب ابرزها انه يريد «مسايرة» الحريري نظرا لطموحه في الوصول الى رئاسة الجمهورية اضافة الى انعدام الانسجام بينه من جهة والعهد ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من جهة اخرى. وفي هذا السياق، اعتبرت اوساط سياسية ان الافق الموجودة في البلد لا توحي ان اللقاء سيؤدي الى انتاجية ذلك ان الازمة ليست ازمة حوار بل توجهات سياسية متباينة حول لبنان.

 التقدمي الاشتراكي: جنبلاط يرحب

بأي دعوة للحوار 

من جهته، كشف أمين السر العام للحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر  ان الوزير وليد جنبلاط سيحضر لقاء بعبدا وسيقدم مقاربة سياسية واقتصادية متكاملة. واشار ناصر ان جنبلاط لم يقاطع يوما اي دعوة للحوار سابقا وحاضرا وهو يبدي رأيه امام الجميع في اي لقاء وذلك لا يعني اي تغيير في موقفه السياسي. وتابع امين السر العام ظافر ناصر  ان الوزير جنبلاط يدرك جيدا ان البلد يمر بازمة معيشية ومالية صعبة والكل قلق من  المستقبل بمن فيهم التقدمي الاشتراكي ولذلك قام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بسلسلة لقاءات وزيارات لقوى سياسية من اجل تفادي اي ازمة تهدد الاستقرار الوطني وايضا لمحاولة تخفيف التوتر.

 القوات اللبنانية: الموضوع الامني مضخم  

بدورها، لفتت المصادر القواتية للديار بان الحزب شارك بجلسة الحوار في 6 حزيران عندما قاطع الجميع هذا اللقاء في بعبدا ولكن رأت القوات ان الموضوع الامني مضخم بعض الشيء ذلك ان كل القوى السياسية الاساسية متمسكة بالاستقرار ومجمعة على ان القوى الامنية يجب ان تضرب بيد من حديد كل من يعبث بالامن والاستقرار. وقالت: «لسنا اليوم في عشية 1975 بين جبهة لبنانية وحركة وطنية وانقسام سياسي وتعطيل لعمل الجيش اللبناني». واعتبرت المصادر القواتية ان ما حصل في بيروت يعود لتقاعس الحكومة في اعطاء الاوامر للقوى الامنية من اجل حماية الاملاك الخاصة والعامة.

وفي الوقت ذاته، تساءلت المصادر القواتية ما الجدوى من عقد جلسات حوار لا تأخذ القوى الممسكة بالسلطة بوجهات النظر المطروحة ولا تقوم بأي خطوة عملية لمواجهة الازمة المالية. اضف الى ذلك، اعتبرت  ان اي اجتماع يجب ان يكون ضمن خريطة عمل تؤدي الى نتائج قابلة للتنفيذ وليس نقاشات وتبادل وجهات نظر لا فائدة منها.

وشددت القوات اللبنانية ان المطلوب اليوم جدية في التعاطي مع التأزم المالي الكبير وفي مرحلة حساسة وطنيا  وغليان اجتماعي انما للاسف التعاطي لا يرتقي الى  مستوى الازمة والظروف التي يمر بها لبنان.

وحول قرار وزير الاقتصاد بوقف الدعم عن المحروقات، تساءلت المصادر القواتية: لماذا هذا التوجه؟ وهنا كشفت ان قرار وزارة الاقتصاد بوقف دعم المحروقات في شهر آب يعود الى انخفاض العملة الصعبة في مصرف لبنان لان الدولارات تضخ في السوق في حين ان هذه الدولارات تهرب الى سوريا. ولذلك الحل للازمة يكمن من خلال الشروع في الاصلاحات من قبل الحكومة ولكن على ما يبدو ان الطرف الممسك بقرار الحكومة يرفض الاصلاحات.

وتوقعت القوات اللبنانية ان الازمة المالية ستتضاعف والتخبط سيستمر والغليان الاجتماعي سيتسع مشيرة الى ان لبنان ذاهب الى ازمة اكبر من تلك التي نشهدها الان لان الحكومة تغيب الاصلاحات في اي عمل مؤسساتي.

 استقلال القضاء

وتضيف مصادر القوات أن الدولة العادلة هي الدولة التي يتمتع قضاؤها باستقلالية عن التأثير السياسي ولذلك الاصوات التي تطالب باستقلال القضاء ترتكز على ان ذلك سيؤدي الى اصلاح المؤسسات وسيتمتع القضاء بسلطة ونفوذ يخولاه مراقبة عمل المؤسسات ومحاسبة كل من يخل بالقانون او يتطاول عليه.

وتعليقا على تلويح وزيرة العدل بالاستقالة في حال عدم اقرار قانون استقلالية السلطة القضائية في المجلس النيابي، رأت مصادر نفسها ان استقلالية القضاء تبدأ بالتشكيلات القضائية وطالما ان الاخيرة مجمدة في قصر بعبدا وهو امر بالغ الخطورة اضافة الى الرفض بالسير بالتشكيلات القضائية التي وضعها مجلس القضاء الاعلى، ولذلك لا زلنا ندور في حلقة مفرغة. وربطت المصادر  اقدام صندوق النقد الدولي على تمويل ومساعدة لبنان طالما ان لبنان لم يطبق اصلاحات بديهية واساسية اضافة الى ضرب عرض الحائط آلية التعيينات.