أضحت طاولة الحوار في حكم الملغاة نتائجها، أكانت حصلت في موعدها أو تم تأجيلها بعد المقاطعة الشاملة، أو أقلّه، غياب أكثر من مكوّن سياسي، مما ينذر بأن هناك مرحلة «شدّ حبال» قد تؤدي إلى ارتفاع منسوب التصعيد السياسي، وصولاً إلى تفاقم الخلافات، وتحديداً على خط بعبدا ـ ميرنا الشالوحي من جهة، وبيت الوسط ـ معراب من جهة أخرى، ولا سيما بعدما دخل رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع بمواجهة واضحة مع العهد عندما دعا الجميع «خلّيهم يفِلّلو»، وبالتالي مقاطعة «القوات اللبنانية» قد تكون الأبرز وغير المتوقّعة عند البعض، إنما لمجرّد موقفه من طاولة الحوار والعهد، والإشارات والرسائل التي أعلنها، والتي حملت انتقادات واضحة ولاذعة لرئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، فذلك يدل على جملة عناوين أساسية، أولها الإستحقاق الرئاسي من خلال هذا الموقف الذي يؤكد المؤكد بأن معركة «القوات» مع باسيل لن تكون سهلة، بل وبعدما كانت معراب تحيّد العهد ولا تقاطعه، فإنها قطعت كل الخطوط مع بعبدا، ولا سيما أن النائب باسيل، وفي مؤتمره الأخير، لم يرحم «القوات اللبنانية» والأمر عينه لنواب كتلته، مما يؤشّر إلى أن قطار الإنتخابات الرئاسية انطلق بزخم، في حين أن المؤشّر الثاني يؤكد بأن رئيس حزب «القوات» وبعد مقاطعته جلسة الحوار وما أعلنه في مؤتمره الصحافي بالأمس، فذلك لن يتوقف عند هذا الحدّ، بل من المرتقب أن يرفع نواب «التيار الوطني الحر» من سقف مواقفهم وانتقاداتهم وحملاتهم على معراب، وهذا بدوره منحى إضافياً للتصعيد السياسي، لا سيما وأن العبارة الأبرز التي استخدمها «الحكيم»، إنما تتمحور حول دعوة الجميع إلى أن يغادروا مواقعهم، ومن الطبيعي أنه يقصد الرئاسات بمعزل عن موقع الرئاسة، حيث تعتبره «القوات اللبنانية» من الثوابت والمسلمات، وفي إطار المواجهة، تقصد الرئيس ميشال عون على خلفية إخفاقات العهد، وأيضاً الحكومة وسائر الرؤساء، وهذا بدوره مؤشّر نحو عودة إلى مرحلة شبيهة بمرحلة العام 2005.

وفي هذا السياق، فإن المقاطعة التي طاولت لقاء بعبدا الحواري، ومن خلال المعلومات والأجواء المسرّبة، فإن هناك اصطفافات سياسية جديدة قد تشهدها الساحة الداخلية، إضافة إلى تكتلات نيابية مماثلة، وبمعنى آخر، هناك تحالفات ستظهر في وقت قريب بين نواب خرجوا من كتلهم إلى إعادة تسوية خلافات بعض الحلفاء السابقين، وهذا بدوره سيكون منطلقاً نحو فتح معارك متنوّعة أكان على صعيد مواجهة العهد و«التيار الوطني الحر» إلى التحضير للإستحقاق الرئاسي، وذ،لك في مقابل عودة قوى أخرى لترتيب أجنداتها السياسية كاللقاء الذي حصل في السفارة السورية لمكوّنات الثامن من آذار، وما بينهما من استعدادات لتنوّع الحراك في الشارع على خلفيات الحريات والديموقراطية، ومواجهة القمع الذي يحصل، والأمر عينه ربطاً بتدهور الأوضاع الإقتصادية والمعيشية والمالية، الأمر الذي سيحول الساحة الداخلية إلى منصة لتصفية الحسابات وتفاقم الخلافات، وقد يكون هناك مفاجآت على صعيد اللقاءات التي ستحصل خلال الفترة المقبلة من خلال إعلان جبهات سياسية مختلفة عن الإصطفافات التي كانت قائمة ما بعد العام 2005، أي لم يعد هناك من 8 و14 آذار، ولهذه الغاية، فإن لبنان مقبل على أزمات إضافية قد تفاقم من مشاكله الكثيرة وخصوصاً المالية، ومن الطبيعي وفي ظل هذه الأجواء المحمومة، ثمة استحالة لأي خطة اقتصادية قد تقدم عليها الحكومة بعدما باتت خطتها غير قابلة للصرف، في ظل الحملات المتبادلة بين الحكومة والمجلس النيابي وهذا أيضاً سيدفع المجتمع الدولي لإحجامه عن دعم لبنان في ظل الظروف الراهنة.