لم يأتِ رفض تسع شخصيات من أصل عشرين من رؤساء الجمهورية والحكومات السابقين وبعض رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، المشاركة في «اللقاء الوطني»، وطلب تأجيله، بسبب الأعذار أو الحجج التي جرى تقديمها من قبلهم، بل لأسباب أخرى غير مُعلنة. والقول بأنّ الدعوة بالشكل الواردة فيه لا تُحاكي الخطر الوجودي المتربّص بلبنان، أو أنّه ليس من جدول أعمال واضح وعناوين واضحة للقاء، أو أنّه لم يتمّ تحديد إذا ما كان سينتهي في جلسة واحدة أم أنّه سيُعقد لمرّات عدّة الى حين إيجاد الحلول الناجعة للأزمات التي يتخبّط بها البلد، إنّما هي أعذار غير منطقية.

ويقول مصدر سياسي مطّلع بأنّ جميع القادة الذين رفضوا المشاركة في «اللقاء الوطني» الذي دعت اليه الرئاسة الأولى لا سيما بعد التطوّرات الأمنية الأخيرة التي شهدتها كلاً من بيروت وطرابلس والتي كادت تهدّد الإستقرار والسلم الأهلي في البلاد، والذي يُعقد الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم الخميس «بِمَن حَضَر» درءاً للفتنة، لم يُوافقوا في الواقع على المشاركة فيه كونه لا يُمكنهم، بحسب رأيهم، التأكيد على تحصين السلم الأهلي وعدم الإنزلاق الى إراقة الدماء، من دون مناقشة سلاح «حزب الله». وقد جرت إثارة مسألة نزع سلاحه خلال التظاهرات الشعبية الأخيرة المموّلة من الخارج، وجرت المطالبة خلالها بتنفيذ القرار 1559، لكنّها باءت بالفشل، نظراً لتقدّم مواضيع الفقر والجوع والبطالة على هذا العنوان المبتغى من قبل المقاطعين. ولكنّ الجميع يعلم بأنّ هذا العنوان ليس موضوعاً على طاولة الحوار والبحث في هذه المرحلة بالذات، لأنّه ليس في أوانه، وإن كانوا يعتبرون، من وجهة نظرهم، بأنّ السلاح الذي يملكه طرف واحد في لبنان دون سواه، هو من عليه أن يؤكّد على الحفاظ على السلم الأهلي، وليس الأحزاب الأخرى التي لا تمتلكه بقدره.

وذكر المصدر بأنّ الذرائع التي اُعطيت من قبل بعض المعترضين إمّا على نصّ الدعوة، أو على اللقاء نفسه، إنّما تدلّ على عدم جديّة القادة والمسؤولين، وعلى عدم امتلاك النيّة لتحمّل المسؤولية في المشاركة بإنقاذ الوطن من أزماته. وجلّ كلّ ما يقوم به هؤلاء، هو التنظير أمام الرأي العام، والإعتراض وانتقاد عمل الحكومة من دون تقديم أي مقترحات أو أي بدائل مجدية. ولا يتوانون بالتالي عن اتهام الحكومة بأنّها تستأثر بالقرارات ولا تتخذ تلك المناسبة للمرحلة.

وعمّا إذا كان هذا اللقاء يُعتبر فاقداً للميثاقية مع اعتذار رؤساء الحكومات السنّة، وبعض المسؤولين المسيحيين الموارنة عن حضوره، أكّد المصدر نفسه بأنّ جميع الطوائف ممثّلة عبر الشخصيات المشاركة فيه، وهو لقاء وطني وليس مناسبة إجتماعية ليتمّ الإعتذار عن حضوره. وفيما يتعلّق بما سيصدر عنه من بيان فسوف تلتزم به القوى والكتل التي وافقت عليه، وستسعى بالتالي الى التهدئة على الصعد كافة. أمّا القوى التي بقيت خارجه فستبقى معترضة وغير راضية عن أداء الحكومة ولا تكفّ عن الإنتقادات، في الوقت الذي كان يُراد من هذا اللقاء توافق الجميع على ضرورة حماية الإستقرار والسلم الأهلي في البلاد أولاً، ومن ثمّ الإنتقال لمعالجة الأزمة الإقتصادية إذ لا يُمكن حلّها وسط الفوضى والعودة الى ما سُمي بـ «الحرب الأهلية».

وأكّد المصدر بأنّ الغائبين عن اللقاء يودّون إظهار للعالم بأنّ الإختلاف السياسي في لبنان يتفاقم في ظلّ حكومة الرئيس حسّان دياب، وأنّه لا مجال لصيانة الوحدة الوطنية، ما قد يُمهّد إمّا للمطالبة باستقالة الحكومة الحالية أو للتدخّل الخارجي من أجل فرض واقع جديد. غير أنّ هذا الأمر لن يحصل لأنّ رئيس الحكومة والوزراء متمسّكون بحكومتهم ويسعون على قدر الإمكان الى إخراج البلاد من الأزمات التي ورثوها من الحكومات السابقة، الى جانب الأزمات المستجّدة مثل وباء «كورونا».

وبرأي المصدر، إنّ مقاطعة الرئاسة الأولى في ظلّ الظروف الراهنة، لن تزيد من شعبية المقاطعين، على ما يعتقدون، بل على العكس، خصوصاً وأنّ المرحلة الحالية تتطلّب التكاتف والتضامن والتعاون فيما بينهم لإخراج لبنان من النفق المظلم، كلّ بحسب إمكاناته وقدراته وعلاقاته الخارجية، حتى ولو كان الإختلاف السياسي كبيراً بينهم.