تدخل الساحة المحلية اليوم مرحلة جديدة مع الحوار الموعود في قصر بعبدا، والعنصر البارز فيها هو الإستحقاقات المتراكمة على المستويات السياسية والمالية والصحية، كما الأمنية، في ضوء الأصوات المرتفعة من قبل العديد من المكوّنات الطائفية اللبنانية، والتي بدأت تتحدّث عن تهميش دورها وموقعها، وذلك، بصرف النظر عن كل ما يتم التداول به حول الميثاقية في لقاء الحوار على طاولة رئيس الجمهورية ميشال عون.

ومقابل هذا المشهد، ينشط العمل في الكواليس من أجل تأمين شبكة أمان إجتماعية لإنقاذ الواقع من الإنهيار الذي بات محتّماً، خصوصاً في الوقت الذي بدأ ينتشر في الكواليس الديبلوماسية حديث عن تعثّر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، مع ما يحمله هذا الأمر من تداعيات كارثية على اللبنانيين.

لكن مصادر نيابية بارزة، استبعدت وجود مثل هذا المناخ، موضحة أن النقاش المالي مع صندوق النقد الدولي قد انطلق مجدّداً، على أساس قواعد جديدة حدّدتها الأرقام التي يجري العمل عليها لتحديد الحجم الفعلي للخسائر المالية. وكشفت هذه المصادر، أن ما تردّد عن موقف سلبي أو إيجابي من قبل صندوق النقد إزاء العمل الجاري على مستوى لجنة المال والموازنة، لا يستند إلى أي معطى فعلي، وذلك لجهة اقتراب وفد الصندوق في مقاربته لأية مقاربة أو أرقام وردت في خطة الحكومة، وذلك في ضوء التباين الكبير ما بين أرقام اللجنة النيابية التي جرى التوافق عليها مع مصرف لبنان المركزي وجمعية المصارف من جهة، وأرقام وزارة المال أو الحكومة من جهة أخرى.واشارت الى أن استمرار الحملات ما بين القوى السياسية المؤيدة لخطة الحكومة من جهة، والأطراف الداعمة للجنة النيابية من جهة أخرى، لا يؤدي إلى اي نتيجة عملية، بل على العكس، فهو ينعكس سلباً على موقف صندوق النقد الذي لم يتبلور بعد، لا سيما وأن الحقائق والأرقام الفعلية موجودة لدى الصندوق، وقد كشف عنها خلال السنوات الماضية في تقاريره حول الوضع المالي في لبنان، وبالتالي، فهو لا يحتاج إلى أي إقناع «في السياسة» من أجل الإطلاع على الواقع المالي، وعلى العجز وعلى حجم الخسائر التي تتكبّدها الخزينة اللبنانية بشكل دوري على مدى السنوات الماضية، والذي أدّى إلى الإنهيار الحالي.

ومن ضمن هذا السياق، تحدّثت المصادر نفسها، عن عدم حصول أي تقدّم حتى اليوم على صعيد توحيد أرقام الخسائر في المالية العامة بين الحكومة ولجنة المال، وذلك على الرغم من كل الإجتماعات التي حصلت وما زالت مستمرة، وتوقعت أن تبرز إشارات حاسمة في وقت قريب، من دون أن تحدّد أي اتجاه محتمل.

وأبعد من هذه المعطيات التي تتريّث المصادر نفسها، في تصنيفها في خانة الإيجابيات، فإن المخاوف تزداد من تحوّلات سياسية بدأت تبرز، ومن المتوقع أن تتزايد بعد الحوار في قصر بعبدا، منبّهة من أي تصعيد محتمل في هذا المجال، كون هذا الأمر سيترجم مزيداً من الإرباك في التعاطي الرسمي مع الملف المالي، وتالياً مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى نسف العمليات الجارية من أجل تخفيف وطأة الأزمة المعيشية على نصف اللبنانيين الذين باتوا تحت خط الفقر.

وشدّدت المصادر ذاتها، على أن ما من خروج من الدائرة المفرغة المتمثّلة بالعجز المالي، إلا من بوابة الدعم الدولي، وتحديداً من صندوق النقد، ولذا، فإن أي تأخير في تحديد الموقف اللبناني والمقاربة المالية الموحّدة في المفاوضات قد يؤدي إلى انزلاق الوضع المالي نحو تطورات غير محسوبة النتائج تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وتجمّد كل المعالجات الحكومية الجارية.