غياب «الثمن» دفع «14 آذار» للتغيّب ولا مُؤشرات على «جبهة مُوحّدة»

واشنطن تقرّ بعدم «تأثر» حزب الله بالأزمة... والحرب الإسرائيليّة «تهويل»

عندما يطالب رئيس مجلس النواب نبيه بري من الحكومة، والمصرف المركزي، وجمعية المصارف اعلان حالة الطوارىء المالية لمواجهة انهيار سعر صرف الليرة، وعدم ابقاء اللبنانيين «رهائن» للسوق السوداء، فهذا يعني بوضوح انه «مش ماشي الحال» وكل الاجراءات الارتجالية حتى الان غير مجدية، واذا كان ثمة «طوارىء» انقاذية، يبقى السؤال ما الذي يؤخر اعلانها؟ طبعا ما قاله بري «غيض من فيض « الملاحظات «المكتومة» على الاداء الحكومي القاصر حتى الان عن وقف التدهور، لكن ليس حسان دياب من يتحمل المسؤولية كاملة، واذا كانت مشكلته انه «استسلم» مبكرا لضغوط شركائه في مجلس الوزراء، فان اداء الاغلبية يحتاج الى اعادة تقييم جدية لتصحيح المسار وتقديم الاجوبة بعدما تركته المعارضة «يقلع شوكه بيديه»... وهذا ما يطرح سؤالا ملحا عما اذا كان هناك امكانية بان يتحول اللقاء الحواري في بعبدا من «فلكلور» انشائي الى فرصة جدية تخرج البلاد من عمق «الهاوية»؟

سؤال تبدو الاجابة عنه سهلة للغاية حتى الان، كلا، الا اذا شهدت الساعات المقبلة تعديلا في جدول اعمال هذا الاجتماع الذي تحول الى لقاء بين مجموعة سياسية من «لون» واحد يخرقه الحضور الاشتراكي البروتوكولي، فهل تقدم الاغلبية الحاكمة على تغيير منهجي في ادارة البلاد بعد الاخفاق «المريب» الذي تسبب بسلسلة من الفضائح الحكومية التي لا تتحمل مسؤوليتها المعارضة وحدها بل «الشركاء في حكومة «مواجهة التحديات» التي تتخبط في القرارات والازمات حتى ان رئيسها حسان دياب اضطر الى دعوة وزراءه بعيدا عن الاعلام «لشدشدة» «براغي» بعض المتقاعسين...

ووفقا لاوساط سياسية بارزة، الحل ليس في طلب رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لمن اسماهم «المجموعة الكاملة» للاستقالة وفسح المجال امام الاخرين لانقاذ البلاد»، فلا هني «حيفلوا» ولا يستطيع «الحكيم» واصدقاؤه في المعارضة تقديم الحلول، لان التجربة معهم لم تكن مشجعة، بل محبطة، وهم اصلا مسؤولون مع «الاغلبية» الحاكمة عما وصلت اليه البلاد، والسجال العقيم حول حضور لقاء بعبدا ومقاطعته، دليل على عدم ادراك الجميع لحجم المخاطر المحدقة بالبلاد، ولا تزال «المهاترات» السياسية والمزايدات «سيدة الموقف»، وسط عجز فاضح عن ايجاد اجوبة للبنانيين عن «المجهول» الذي ينتظرهم...

في المقابل، تقول الاوساط «المعارضة»، ان المقاطعة لم تكن مفاجئة ، فالامر كان متوقعا بفعل «الارتجال» غير المفهوم في الاعداد لطاولة الحوار الجديدة التي حملت عناوين وطنية كبيرة تتعلق بالسلم الاهلي دون تحضير الارضية المناسبة لجذب المعارضين الى «الطاولة»، بل تم منحهم الحجج تلو الاخرى للمقاطعة، فمن جهة اندفعت كل القوى المؤثرة بالشان الحكومي من رئاسة الجمهورية، وحزب الله، ورئاسة المجلس النيابي، الى التاكيد على عدم وجود رغبة في تبديل، او تعديل الحكومة، اي تم قطع الطريق على اي امكانية للعودة الى حكومة وحدة وطنية تواكب الازمة الخطيرة في البلاد، وهو امر يتناقض مع عنوان الدعوة الى الحوار الذي يعقد بحجة هذه المخاطر، بمعنى آخر المطلوب من المعارضة ان تساعد في ايجاد الحلول وتنفيس الاحتقان دون اي مكسب من السلطة التي تتهمها بالمسؤولية عن كل موبقات الازمة الحالية، ودون حد ادنى من التواضع في الاعتراف بالمسؤولية الجماعية عن تدهور الاوضاع الراهنة... فهل كان يظن احد بان المعارضة «جمعية خيرية» ستصعد الى قصر بعبدا لانقاذ العهد من «ورطه» مجانا؟

ومن هنا ترى اوساط سياسية مطلعة، ان غياب «الثمن» هو ما دفع المعارضين على اختلاف مشاربهم الى «المقاطعة»، وليس صحيحا وجود مشروع «خارجي» يجمع بينها، بدليل عدم «اصطفاف» النائب السابق وليد جنبلاط مع «الخط الاعتراضي»، وهو يعد احد الاعمدة الاساسية في اي تحركات داخلية مفترضة، لكن لا مشروع خارجي يستسهل توريط الحلفاء في بيروت بما لا طاقة لهم به، كما لا تبدو واشنطن او اي دولة اقليمية في صدد الدخول في مغامرة غير محسوبة على الساحة اللبنانية...

وفي هذا السياق، تؤكد اوساط معنية بالملف، ان التهويل الممنهج وبث الاشاعات حول حرب «اسرائيلية» مرتقبة على لبنان، ليست الا من باب التضليل، والتخويف، والتهويل، غير المسند على اي معطيات جدية، فكيان العدو يتخبط في ملف ضم اجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وغور الاردن، ويخشى الانفجار الكبير في اراضي السلطة الفلسطينية، كما انه يرزح تحت وطأة موجة ثانية لـ«فيروس كورونا»، ولا يملك اي يقين بقدرته على تحقيق اي انتصار على حزب الله الذي تقصد توجيه رسالته الامنية- العسكرية قبل ايام حول اكمال استعدادته لاستهداف المناطق الحيوية بأسلحته «الدقيقة» متى دعت الحاجة لذلك، مذكراً حكومة نتانياهو بتوازن الردع الذي سيجعل «اسرائيل» تدفع ثمناً باهظاً اذا ما ظنت لوهلة ان الازمة الاقتصادية الراهنة في لبنان قد اضعفت جهوزية حزب الله غير الراغب في التصعيد اصلا الا في حالات محددة لمح اليها السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير، ولذلك ووفقا للمنطق والحسابات الدقيقة اقتصاديا وعسكريا، لا حرب في الافق، الا اذا خرجت الامور عن السيطرة لاسباب مفاجئة وغير متوقعة... خصوصا ان التقارير الاميركية تشير بوضوح الى ان منظومة حزب الله لم تتأثر بالوضع الاقتصادي الخانق في لبنان...

وانطلاقا، من هذه المعطيات، ستحاول بعض القوى الوازنة اليوم لتحويل مقاطعة «المعارضة» بمعظم اطيافها للقاء بعبدا الى فرصة جدية لايجاد ارضية جديدة للتحرك من قبل الاغلبية الحاكمة لايجاد اجابات حاسمة حول قضايا ملحة تواجهها البلاد، طبعا التأكيد عن السلم الاهلي، وعدم الدخول في اي فتنة، ضرورة، لكنها لزوم ما لا يلزم في ظل قناعة الجميع بأنها «محرقة» لن يخرج منها احد منتصراً، لكن ثمة ضرورة للتوافق على مقاربة موحدة حول خيارات لبنان في ظل المؤشرات السلبية حول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي بات واضحا انه لن يقدم الحلول على «طبقة» من «فضة»، وقروضه ان اتت لن تساعد في الخروج من المأزق الحالي، ولذلك يجب حسم الخيارات، اما بالتوجه شرقاً او ابلاغ اللبنانيين انه «وهم» لن يتحقق خصوصاً بعد اعلان مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد شينكر «الحرب» على الدور الصيني المستقبلي في لبنان... والمطلوب ايضا حسم ملف التعامل مع المصرف المركزي والمصارف، و»رأب» الصدع بين مجلس النواب والحكومة على خلفية الخلاف الفضيحة حول الخسائر... والمطلوب «رسالة» واضحة للاميركيين حول الموقف من قانون «قيصر» وعدم قدرة لبنان على الانخراط به لانه يضر بالمصالح اللبنانية... والمطلوب ايضاً، قرار واضح بمعالجة ملفات الهدر والفساد والذهاب الى «اصلاحات» حقيقية وغيرها من الامور التي تعيد ثقة الداخل والخارج بدءا بملف الكهرباء... اما اذا خرج «اللقاء» ببيان انشائي يفتقد الواقعية دون اجراءات تنفيذية لاحقة، فسيكون محطة جديدة للاحباط لدى اللبنانيين غير المهتمين راهناً الا «بلقمة عيشهم»... فهل يتجاوز بعض المشاركين اليوم مصالحهم الشخصية والذاتية؟