ككل الازمات العالقة في لبنان والانهيارات التي تتوالى كل يوم ، وعلى جميع الاصعدة والقطاعات، تبرز الازمة التربوية في لبنان منذ سنوات والى تصاعد، اذ كانت تعاني اصلاً من صعوبات مادية، بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب للمعلمين، التي ساهمت بالاعباء وفي تخبّط القطاع، وتفاقمه اكثر فأكثر مع انتشار وباء كورونا وما تبعه من تداعيات، ابرزها إقفال العام الدراسي في آذار، وإلغاء الامتحانات الرسمية، والحصول على إفادات النجاح كما حدث في مرات سابقة.

 اذا الازمة ليست وليدة اليوم، وهي انتجت خسائر من كل النواحي، لانها إستنزفت الأسرة التربوية ككل، فشملت مالكيّ المدارس والاساتذة  والاهالي والتلاميذ على حدّ سواء.

ثمّة اسئلة مطروحة وبكثرة من قبل المعنيّين في الازمة، وخصوصاً اولياء الطلبة عن مستقبل اولادهم، وبالتالي عن كيفية تأمين الاقساط المدرسية، في ظل ارتفاع سعر الدولار يومياً، والاخبار المتداولة عن وصوله الى 15 الف ليرة قريباً جداً، مما يعني كارثة اجتماعية كبرى لن تسمح للطلاب بتلقيّ التعليم في المدارس الخاصة، التي ترزح بدورها تحت الخسائر بحسب ما ينقل مسؤولوها، من ناحية كيفية تأمين رواتب الاساتذة وكافة المصاريف، في حال لم ُتحصّل قيمة الاقساط ، فضلاً عن كيفية إستدراك هذا الوضع  المخيف قبل شهر ايلول، خصوصاً ان اكثرية الطلاب يتجهون للانتقال الى المدارس الرسمية، مما يعني النقص الكبير في عديد الطلاب والمزيد من الخسائر، مع الاشارة الى ان المدارس الرسمية لا تستطيع إستيعاب كل هذا الكم الكبير من الطلاب، بسبب معاناتها ايضاً من نقص في كافة الاجهزة، وهذا يعني مشكلة تربوية اكبر، فالى اين سيذهب كل هؤلاء الطلاب؟. في ظل معلومات عن إقفال مرتقب لعدد من المدارس الخاصة والاستغناء عن اساتذة وموظفين، وعدم قدرة الاهالي على إيفاء القسط الثالث من العام الحالي، فكيف سيستطيعون تأمين الاقساط للعام المقبل والبدء في ايلول بترتيبات العام الجديد؟، لذا فالمطلوب مساعدات مادية لها من الدولة، مع تخصيص اموال ومساعدات لتأهيل المدارس الرسمية، ورفع قدرتها الإستيعابية، وإلا فالكارثة واقعة في القريب العاجل.

 سلسلة الرتب ساهمت في الازمة

هذه الاسئلة والمعاناة نقلتها «الديار» الى أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار، فإستهل قائلاً: «المخاوف موجودة منذ سنوات بسبب الوضع السياسي المتدهور في البلد، ووجود زعماء يتقاتلون يومياً وآخرها على قبول او رفض حضورهم لقاء بعبدا الذي جرى يوم امس ، فيما الوضع وصل الى الانهيار والمجهول، وهم يتلّهون بخلافاتهم وتناحراتهم، وكل شيء بات مهدّداً لان اللبنانيّين يعانون الجوع،  والدولار وصل الى سبعة الاف ليرة ولا احد يبالي، من هنا أسال عبر صحيفة الديار: «كيف يقبل المسؤولون بأن يتحكّم الصرافون بمصير لبنان واين الدولة ووجودها؟، لقد أثرّت لعبة الدولار على جميع القطاعات، من بينها القطاع التربوي الذي يئن اليوم والاسباب عديدة، منها الوضع الصحي ووباء كورونا الذي انتشر منذ اشهر ولا تزال مخاوفه قائمة، فضلاً عن ازمة دفع الاقساط التي بدورها ساهمت في عدم دفع الرواتب كاملة، كما ان إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي حصلت قبل 3 سنوات ساهمت كثيراً في هذا التدهور، وكل هذا بسبب الجهل والتجيّيش من قبل بعض اهل السياسة لدواع انتخابية نيابية حينها».

 حماية التعليم وإلا...

ورداً على سؤال حول مدى تدهور الوضع التربوي في ايلول، لفت عازار الى الاجتماع التربوي الموسّع الذي انعقد في بكركي في العاشر من الجاري، بحث كل هذه المخاوف، حيث قدمنا اقتراحات لتفادي انهيار المنظومة التربوية، وضرورة تدّخل الدولة  خلال شهر واحد لإيجاد الحلول، وإعطاء مساهمة مالية في المدارس الخاصة غير المجانية خلال هذه السنة كما حدث في العام 1987، لافتاً الى ان مدارس عدة ستقفل في حال لم تتحقق هذه المساعدات.

وتابع: «إجتمعنا ايضاً مع لجنة التربية النيابية، وطالبنا بحماية التعليم وإلا سنتوقف، خصوصاً انه بسبب الازمات الاقتصادية والمعيشية، هنالك فئة من الأهل غير قادرة عن تسديد الأقساط، وامتناع فئة قليلة منهم عن الدفع على الرغم من قدرتها على ذلك، وهنالك مدارس اقفلت واخرى على الطريق، في حال لم تحصل المساعدات، لذا حذرنا من كل هذا وننتظر نتائج ما طالبنا به.

 التقشف مطلوب بقوة

وحول وجود إتجاه لرفع الاقساط في ظل تصاعد الدولار، لم ينف الاب عازار ولم يؤكد هذه الزيادة، لافتاً الى انهم رفعوا توصية الى مجلس البطاركة اشارت الى عدم زيادة الاقساط في العام 2019- 2020 في المدارس الكاثوليكية، لكن العام 2020- 2021 موجود في قلب الازمة  الصحية والمالية، وحين توضع الموازنة سنرى، في حين ان التقشّف مطلوب بقوة وهذا ما سنفعله، لذا سنعيش هذه الحالة ونأمل تقاسم الخسائر من قبل الدولة والمدارس والاهل والاساتذة  لتأمين الرواتب للمعلمين . واشار الى ان المدارس الكاثوليكية نالت خلال القسط الاول من العام الدراسي الحالي نسبة 38 في المئة منه، والقسط الثاني 19 في المئة، والثالت اقل من 4 بسبب الاوضاع المتأزمة، وهنالك مدارس قامت بالحسم ولم تنل القسط الثالث، وبعضها سمح بالتقسيط  أي على دفعات مريحة، وهذا يعني ان التعاون قائم مع الاهالي من قبلنا. لافتاً الى ان الزيادات على الأقساط لم تكن عشوائية، ومنذ حوالى 6 سنوات، لم تأخذ مدارس عدة نسبة 35 في المئة كاملة، بسبب الضائقة الاقتصادية، مع العلم ان  الرواتب تأتي من الأقساط التي يدفعها الأهل، والبعض منهم عاجز عن دفعها وهناك من يتمنّع عن ذلك، ومعالجة الأزمة عن طريق الحسومات ليس سهلة بل صعبة جداً.

وعن الاجتماع الذي جمعه مع رئيس الجمهورية ، قال الاب عازار: «اقترح علينا الرئس عون ايضاً تقاسم الاعباء على اربع جهات،  أي كما طرحنا نحن وتحمّل كل فئة ربع الخسائر. ولقد قلت له مطالبي أي المساعدة  المادية من الدولة، وهو وعدني بانه سيدرسها مع الحكومة».

 الاهالي: لا قدرة لنا على الدفع

الى ذلك لفت بعض الاهالي خلال احاديث لـ «الديار» الى  ان انهم دفعوا القسطين اما الثالث فعليه حسومات لا تتجاوز ال 30 في المئة فقط، والبعض الاخر سيسدّده عبر دفعات ، معبّرين عن صوت واحد هو عدم قدرتهم على الدفع في العام المقبل، الذي سيتبلور خلال مطلع ايلول، واكثرية هؤلاء سيسجّلون اولادهم في المدارس  الرسمية، وقد بدأوا منذ الان بالقيام بالوساطات لإيجاد مقعد لهم لان الاعداد هائلة .

 الاساتذة: قد لا ُتفتح المدارس في العام المقبل

وبدورهم عبّر بعض الاساتذة عن قلقهم وخوفهم من العام المقبل، وما سيحويه من ويلات ومصاعب عليهم، وبعضهم رأى بأن المدارس لن تفتح لان الوضع وصل الى الانهيار النهائي والهاوية، وهنالك اخبار عن موجة جديدة من وباء كورونا، يعني ان الازمة الصحية ستستفحل بدورها مما يزيد الطين بلّة.

 مدارس إستغنت عن اساتذة وموظفين

وفي هذا الاطار، نشير الى ان مدارس بدأت بالاستغناء عن اساتذة وموظفين، واخرى على الطريق، من ضمنها وعلى سبيل المثال لا الحصر، ثانوية الشهيد بلال فحص التابعة لمؤسسات امل التربوية في تول، التي استغنت عن ما يقارب ال 50 معلماً بسبب عدم تسديد معظم طلابها للاقساط المدرسية للعام الحالي، ما اغرقها بالديون. إضافة الى ثانوية الرحمة التابعة لجمعية المبرّات الخيرية في كفرجوز، التي استغنت عن خدمات ما يقارب المئة استاذ  للغاية عينها. وقبل يومين اعتصم عدد من الاهالي والطلاب أمام مدرسة القديسة ريتا في الضبيه وذلك احتجاجاً على اغلاقها. فضلاً عن ان مدارس البعثة العلمانية الفرنسية، طلبت من المعلمين توقيع عقود جديدة معم، لا  تتضمّن بعض الحقوق المكتسبة والحوافز التي كانوا يأخذونها، كما نفذ أهالي التلامذة في مدرسة عائشة التابعة لجمعية المقاصد في صيدا، اعتصاماً احتجاجياً على فرض الإدارة شروطاً صعبة لتسجيل أولادهم للسنة المقبلة.

وفي اطار الجامعات التي تنطبق عليها هذه المعاناة ، تبرز الجامعة الاميركية في بيروت التي إستغنت بدورها عن 1500 استاذ وموظف وضمن المستشفى التابعة لها ايضاً، و«الخير لقدّام» للاسف، كما تؤكد المعلومات.