ابلغ توصيف للقوى السياسية والحزبية الحاكمة او المعارضة، وهو قول الاديب سعيد تقي الدين: «ما افصح القحباء حين تحاضر بالعفاف»، وهذا هو واقع لبنان السياسي، وهو بتقديم السياسيين لانفسهم بانهم من اصحاب «العفة»، وهم المرتكبون للفساد، والمحرضون على الطائفية والمذهبية، ومروجون لثقافة المحاصصة بشعارات «عالسكين يا بطيخ»، ومن يحضر السوق يشتري ويبيع، ونعم حصلت على مال غير شرعي عندما كنت «مزنوقاً»، او «شوسعرو» و«لك حصتك ولي حصتي»، وولى «زمن استباحة حقوق المسيحيين»، ورجع «الحق لاصحابو» الخ...

هذه الثقافة السياسية التي يعممها اركان السلطة في لبنان، هي التي منعت بناء دولة وقيام مؤسسات وتطبيق قوانين، وهو ما ادى الى الانهيار الذي وصل اليه لبنان، الذي لا يقيمه حوار في بعبدا، لا يذهب الى اساس المشكلة، وهي النظام السياسي الذي ينتج مثل هذه الطبقة السياسية، التي تحكم باسم الطوائف، وتدافع عن مصالحها في السلطة باسم الطائفة والمذهب.

هذا ما يخلص اليه من يقرأ المشهد الذي يمر به لبنان من ازمة باتت وجودية للشعب الذي انتفض ضد من تعاقبوا على الحكم منذ عقود، وكان حراكه في بدايته عفوياً، ودعوته الى اسقاط المنظومة الحاكمة، التي ما زالت تتعاطى مع الازمة المالية والاقتصادية والاجتماعية، وكأنها غير معنية بها، او لم تسببها هي، اذ يقول مصدر سياسي، بان عدم مشاركة رؤساء الحكومة السابقين، في الحوار ليس مبررا، فهم يحضرون الى القصر الجمهوري، ليس لانقاذ عهد الرئيس ميشال عون، ولا للدفاع عن الحكومة، بل لاخراج لبنان من محنته، والكل مشارك فيها، من هم في السلطة او خارجها حالياً، وان ما يعانيه لبنان من ازمات، ليس وليد الاشهر الاخيرة، بل تمتد ازماته الى سنوات وعقود، بسبب بنية النظام السياسي الذي يتيح للقوى الطائفية ان تمسك به، وتحاول تحسين حقوق الطوائف داخل النظام، والتي شرعتها المادة 95 من الدستور، التي اعتمدت الطائفية كحالة مؤقتة فيه، هذه الحالة طالت، واشعلت ازمات وحروباً داخلية.

فمن يحكم، عليه مسؤولية تجاه الشعب الذي هو مسؤول ايضاً عن انتاج المجالس النيابية بانتخابه لها، والتي منها تشكلت الحكومة ونالت الثقة، بحيث لا يمكن لاحدان يتهرب من مسؤوليته الشعب الذي يعيد تكوين السلطة نفسها، والسلطة التي انحازت الى مصالحها ومكاسبها، فاعتمدت على الفساد والصفقات وهذا ما اوصل لبنان الى هذا الانهيار، مع غياب القضاء المستقل الذي يطالب به الجميع ولا يتحقق يقول المصدر، الذي يشير الى ان القضاء يمكنه بالقوانين القائمة، ان يمارس استقلاليته، ويتصدى للفساد، ويتحرر من السياسيين، لكن بعض القضاء وهم غالبية لا يمارسون دورهم ولا يعملون بقسمهم، وهذا سبب اساسي، في عدم قيام دولة، ولقد لعب قضاة في دولهم، دوراً في اخراجها من الفساد وتطبيق القوانين.

ويبقى بناء الانسان، اي تحقيق المواطنية، وهذا هو الهدف الذي يجب على كل سلطة ان تقوم به، وتلعب الاحزاب دوراً اساسياً في توجيه المنتمين اليها نحو تقديم الولاء للوطن على الانتماء للطائفة، يقول المصدر، ولكنه يسأل كيف لاحزاب ان تقوم بذلك، وهي طائفية، ونشأت على فكرة حقوق طائفتها، ولو كانت مغلفة بشعارات وطنية واجتماعية، وان غالبية الاحزاب، مسماة بديموقراطية واجتماعية واشتراكية وحرة وللمستقبل ولبنانية وشعبية، ولكنها تضم في صفوفها اعضاء من لون طائفي او مذهبي، وان وجد فيها اعضاء من طوائف اخرى، فيمكن احصاؤهم على اليد الواحدة.

فلم يعد يقنع اللبنانيين الحوار، وهو لزوم ما لا يلزم، اذا لم يكن صادقاً، ويسخرون من بيان رؤساء حكومات وكأنهم مجموعة قادمة من الاغتراب، ولم تكن في السلطة على مدى سنوات، كما لا يعجبهم ترداد الرئيس نبيه بري عن المساءلة والمحاسبة وتطبيق القوانين، وهو رئيس مجلس النواب الذي تقع عليه مسؤولية الرقابة واسقاط الحكومات والتدقيق بالموازنات.

انه «لبنان في زمن بابل الحوار»، والنفاق السياسي، و«القحباء التي تحاضر بالعفاف».