لم يرضخ رئيس الجمهورية ميشال عون لطلب تأجيل «اللقاء الوطني» الذي عُقد أمس في بعبدا، فالتأجيل او الإلغاء كان سيرتّب على الرئيس تداعيات سياسية خطيرة، اذ كان لا بد من عقد اللقاء بمن حضر، لما لهذا الامر من دلالات سياسية أبعد من أسباب انعقاد اللقاء في القصر الجمهوري، فما الذي حقّقه عون من هذا اللقاء؟

بداية لا بد من التنويه بموقف وليد جنبلاط، الذي قارب الدعوة بذكاء، وفضّل أن يلعب الدور الوسطي، الذي يفضله ويمتاز به، فلا هو حضر شخصياً ولا هو غاب عن اللقاء، وبذلك لم يعارض رغبة «حليفه» رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي كان من أبرز الساعين إلى تأمين حضور القوى المعارضة، ولا عارض توجهات «حليفه» الآخر، أي رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، الذي يترأس محور المقاطعين.

بالعودة الى ما حققه رئيس الجمهورية، تشير مصادر سياسية رفيعة المستوى الى أن إصرار الرئيس عون على عقد اللقاء رغم موقف رؤساء الحكومات السابقين والقوات اللبنانية، والكتائب اللبنانية، وتيار المردة نزع من المعارضين والمتغيبين ورقة سياسية كانوا يحاولون ابتزازه فيها وهي أن الرئاسة مأزومة أو أنه بحاجة اليهم لإثبات شرعيته، وبأن أبواب بعبدا تظلّ مقفلة بحال قرر هؤلاء مقاطعتها، مشددة على أن الرئيس عون لن يقبل بتحوّل ما تبقّى من عهده الى ما يشبه الأيام الاخيرة التي قضاها الرئيس السابق إميل لحود في بعبدا، بحيث أصبحت رئاسة الجمهورية منعزلة عن العالم السياسي اللبناني.

وتضيف المصادر: «لم تستغرب الرئاسة تغيّب رؤساء الحكومات السابقين، ولو أنهم جرّوا سعد الحريري معهم الى حيث يريدون، فكسبوا هم وخسر هو، ولكنها لم تكن لترضى بتأجيل اللقاء لاجل غيابهم، فلو أجل عون اللقاء كان سيشكّل التأجيل  ضربة قاسية لرئيس الحكومة حسان دياب وحكومته لأنه سيُعتبر بمثابة اعتراف أن دياب لا يؤمن الميثاقية السنية، كذلك كان التأجيل سيسحب الشرعية من اللقاء التشاوري السنّي، الذي كانت رئاسة الجمهورية رأس حربة في معركة الإعتراف بحقوقهم».

لا تُخفي المصادر السياسية حقيقة أن بعبدا تحمّل رؤساء الحكومات السابقين مسؤولية كبيرة جدا بخصوص الوضع الذي يعيشه لبنان اليوم، على اعتبار أنهم «السلطة» التنفيذية، ومشاركون بالحكم منذ 30 عاما، مشيرة بالتالي الى أن كل محاولات إشراكهم بتحمل المسؤوليات اليوم تنطلق من هدفين، الأول عدم السماح لهم بالتهرّب من مسؤولياتهم، وهو ما يحاولون فعله، والثاني هو مساعدتهم على المشاركة بإصلاح ما أوصلوا البلد إليه، وهو ما لا يريدون فعله، مشددة على انعقاد اللقاء بغيابهم يحملهم مسؤوليات إضافية حول ما حصل بالماضي وما سيحصل بالمستقبل، خصوصا أن العنوان الرئيسي للقاء كان «السلم الاهلي».

تخشى المصادر في هذا السياق من «تخلّي» المتغيبين عن مسؤولياتهم في حماية السلم الاهلي، لا بل أكثر من ذلك، ترى أن بعض هذه القوى كانت ولا زالت جزءا أساسيا من عملية ضرب الاستقرار، سواء عبر التظاهرات التي شهدت الفوضى والعنف، أو عبر التجييش لخطاب التفرقة، كاشفة عن معلومات بهذا الإطار، تشير الى أن بعض القوى السياسية في لبنان تتوقع أياما صعبة في الأسابيع المقبلة، ولاجل ذلك عمّمت على مناصريها تخزين المواد الغذائية.

تكشف المصادر أن بعض القوى التي ترتبط بسفارات اجنبية في لبنان، تنتظر مستقبلا قريبا بشعا، يزداد به الضغط على المقاومة في لبنان، وقد أُبلغت هذه القوى أن الحصار سيزداد قساوة، وبالتالي الدولار سيستمر بالارتفاع ليصل الى حدود لا تسمح بالاستيراد، ما سيعني فقدان مواد أساسية في الأسواق، وكل ذلك في سياق حملة الضغط للحصول على تنازلات سياسية، وتفجير الوضع الداخلي وانهيار «الستاتيكو» السياسي القائم حاليا، ما يفتح لها مجالا لتحقيق «نقلة» سياسية في الانتخابات النيابية المقبلة، والانتخابات الرئاسية.

وتذكّر المصادر السياسية أصحاب هذه الرؤية بأن الخيبات التي لاحقتهم منذ 15 عاما الى اليوم، ستتكرر، وحسابات «حقلهم» لن تتفق مع حسابات «البيدر» اللبناني.