لن نسأل عن المستشار الفذ الذي كان وراء الدعوة الى حوار القصر بين القياصرة. لكأنه الحوار بين الخناجر...

 الحوار «من أجل تحصين السلم الأهلي تفادياً للانزلاق نحو الأسوأ»، كما لو أنه لا يوجد بين هؤلاء، من أهل الموالاة كما من أهل المعارضة، من ليس مستعداً لتحويل الجمهورية الى جهنم (وقد باتت جمهورية جهنم) من أجل أن يبقى على عرشه، ومن أجل أن يخدم الذين يحركونه بالريموت كونترول عبر الصحارى، أو عبر البحار، أو عبر زخات العملة الخضراء.

 لو كان باستطاعة أي واحد من هؤلاء، وبينهم من هو بمواصفات أكلة لحوم البشر، تفجير الفتنة الطائفية، أو الفتنة المذهبية، لما توانى عن ذلك ولو للحظة واحدة. ها هم يأمرون باقفال الطرقات، والكل يعلم من هم، لكي يزيدوا في معاناة الناس. وفي اختناق الناس.

 لا غرابة في أن نرى فيهم ثقافة قطاع الطرق لا ثقافة رجال الدولة الذين يبحثون عن طرق الخلاص، خلاص لبنان، وخلاص اللبنانيين، من تلك الحالة الأبوكاليبتية التي تطبق على صدورهم  مثلما تطبق على أرواحهم...

 أحد المستشارين ظهر على احدى الشاشات، أو عبر احدى الاذاعات، ليبرر الدعوة الى الحوار على طريقة بديع الزمان الهمذاني، ودون أن تكون لديه لا حنكة، ولا خفة ظل، صاحب المقامات الشهيرة.

يا رجل، اين أنت ؟ ألا تعلم أن هناك بين نجوم السياسة (نجوم المغارة) من يراهن على سقوط الدولة من أجل الدولة الأخرى، ومن أجل الطريق الآخر الذي يفضي الى صفقة القرن، وحيث لا لبنان ولا لبنانيين؟

الدولة الآن في المزاد العلني. من يشتري ؟ لو كان هناك من هو ضنين بلبنان لما كانت هناك حاجة الى الحوار، وأي حوار ؟ قيل حوار المرايا، وقيل حوار الرسوم المتحركة.

لا ننفي البتة وجود من هو معني ببقائنا، ومن هو معني باوجاعنا، لكننا الآن بين يدي صندوق النقد الدولي، وبين يدي القضاء والقدر. حتى الساعة محادثات السلحفاة. لا أحد في العالم، بما في ذلك الأنظمة التوتاليتارية، يثق بتلك المنظومة السياسية التي لا تليق حتى بحكم الماعز. ألسنا... الماعز؟

 سمير جعجع قال «خليهم يفلوا واتركوا الباقي علينا». كثيرون داخل المعارضة يقولون ذلك. من هم الذين يريد «الحكيم» أن يرحلوا. ليقل بالأسماء، لا بالتوريات اللغوية والسياسية، من هم ومن أنتم...

 يا جماعة، أنتم الأدمغة، وأنتم الأحزاب، وأنتم المؤسسات، وأنتم المنظّرون، وأنتم العباقرة. قولوا لنا، نحن السذّج، ما هو مشروعكم للخروج من ازمة بات جلياً انها لا تبقي ولا تذر، لكي نفتح لكم الأبواب بقبضاتنا، ولكي نقيم لكم  بعظامنا أقواس النصر، ولكي نفرش لكم بدمائنا السجادة الحمراء الى القصر، والى السراي، ولندع صلواتنا تصل بكم الى السماء السابعة.

 هكذا الكلام لا يقال جزافاً، ونحن بين فكي الاعصار. «خليهم يفلّوا واتركوا الباقي علينا». كيف؟ ألسنا رعاياكم (وضحاياكم)، ألسنا أزلامكم، ألسنا ناخبيكم، ونستحق أن نعلم ما في رؤوسكم اليوم وليس غداً. سؤال للتاريخ فقط: هل ستعلقون المشانق لمصاصي الدماء؟ وهل سنكون أمام جمهورية الأم تيريزا لا أمام جمهورية هولاكو؟

 أبعد بكثير من البحث في «تحصين السلم الأهلي» ما دام التأجيج السياسي، والتأجيج الطائفي، على قدم وساق. لنكن أكثر دقة. هذه طبقة سياسية لا تستطيع أن تفعل سوى الخراب، ولا تستطيع أن تفعل سوى الخواء. كيف لها، وهي التي تقتات من الطائفية، ومن المذهبية، أن تتخلى عن ورقتها التكتيكية، أو الاستراتيجية، الأخيرة، وتئد الفتنة وأهل الفتنة ؟

 كان بودنا أن نقول، بدورنا، «فلّوا واتركوا الباقي علينا» لو كان المعارضون ليسوا، مثل العديد من الموالين، نتاج تلك التوتاليتاريات العمياء، وليسوا من أحل سلطة المافيات، وأدبيات المافيات، محل سلطة الدولة، وأدبيات الدولة.

 المستشار الفذ الذي أشار بالحوار أحسن في شيء واحد. اظهر الى أي مدى نحن رعايا الأدغال. من زمان قلنا... هذا زمن الأدغال!!