على وقع العجز وصراعات المصالح والاجندات الداخلية وما ينتج منها من انحدار غير مسبوق في الواقع الداخلي المأزوم تتزايد يوما بعد يوم أرجحية تفجّر الوضع الاقليمي خلال الشهرين القادمين وحتى ان مصدراً ديبلوماسياً مطلعاً يضع ما يشبه التواريخ لاشتعال الحروب على جبهات الشرق الاوسط حيث لا يستبعد ان يكون شهر تموز المقبل الفترة الاكثر خطورة من اليوم وحتى ما قبل انطلاق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

وفيما تتفق جهات ديبلوماسية غربية وشرقية ومعها اكبر مراكز الدراسات واجهزة مخابرات مختلفة على ان الوضع الاقليمي بات جاهزا للانفجار الشامل وان ما تحول دون ذلك حتى الان نقطتين اساسيتين، الاولى حسابات الاطراف لنتائج الحرب وتداعياتها الكارثية في ظل ما يشبه توازن الرعب ليس فقط بين المقاومة في لبنان وآليات العدو الاسرائىلي بل على مستوى مسار كل الجبهات التي ستبلغها النيران والثانية تفادي كل من هو مرشح ليكون شريكا في الحرب والانجرار الى عمل عسكري ولو كان جزئىا لا يعطي مبررا للاخرين لعمليات ردّ اوسع وعندئذ يستدرج الاشتباك تدريجيا الى حدود يصعب السيطرة عليها كما هي الاعتداءات التي يمعن قادة العدو الاسرائىلي في الاستمرار بها ضد مواقع عسكرية في سوريا. ولكن بطريقة مطابقة لطريقة توجيه الرسائل وليس اكثر من ذلك.

لكن المصدر الديبلوماسي يلاحظ ان هذه الضوابط التي حالت حتى اليوم دون اشتعال حرب اقليمية واسعة لا أحد يضمن عدم تفلتها وخروجها عن السيطرة في اي لحظة خلال الاسابيع المقبلة انطلاقا من الآتي:

- اولا: مسار الوضع الاقليمي والدولي المأزوم والمتوتر على معظم الجبهات بين الاطراف التي يرجح ان تكون مشاركة مباشرة او بالواسطة بالحرب، من العلاقات الاميركية مع كل من روسيا الصين الى التوتر المتصاعد في علاقات واشنطن مع طهران وما يحيط بها من فعل اجرامي لقادة آليات الاحتلال الاسرائىلي بهدف دفع ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى فتح الحرب مع ايران قبل انتهاء ولاية ترامب واحتمال عدم التجديد له وكذلك مواصلة العدو التحضير لاحتمال الحرب مع لبنان برغم مخاوف قادة الاحتلال مما سيلحق بكيانهم من خسائر كارثية في حال عادوا بالحرب ضد المقاومة في وقت تملك المقاومة بنك اهداف استراتيجية داخل «دولة الاحتلال».

ثانيا: ان يرفع من امكانية الحرب تداخل المصالح بين ادارة ترامب والطاقم المتطرف الحاكم في كيان العدو، فالرئيس الاميركي وكبار قادته باتوا على يقين ان القيادة الايرانية ليست في صدد فتح اي منفذ للحوار مع هذه الادارة على الاقل قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية. وما بعد الانتخابات لكل حادث حديث وبالتالي فترامب الذي واجه وما زال «كوابيس» ضخمة في الداخل الاميركي من تداعيات كورونا ونتائجها الاقتصادية السلبية الكبيرة عليه وعلى نسبة شعبيته ولاحقا التظاهرات الصاخبة التي شهدتها عشرات المدن الاميركية رفضا لعنصرية ترامب وادارته بعد مقتل المواطن الافريقي على ايدي الشرطة الاميركية الى جانب فشل كل ما قام وخطط له ترامب في عدد من النقاط الساخنة في العالم لكي يتمكن من تحقيق انجاز ولو بسيط كما هي الحملة ضد الصين وكما هي العقوبات على سوريا ومزيد من الدعم للمجموعات الارهابية وكما هي الحال بالعقوبات على لبنان ومحاولة ابتزاز الدولة والحكومة.

رابعا: ان قادة العدو الاسرائىلي الذين يواجهون مشاكل داخلية ضخمة ويتعرضون كما يعتبرونه - لخطر الحرب من المقاومة وحلفائها - اصبح المنفذ شبه الوحيد لتعويمها وبخاصة رئىس حكومة العدو بنيامين نتانياهو للهروب من المحاكمة بتهمة الفساد، هو في ضم اجزاء كبرى من الضفة الغربية المحتلة بما يتيح لهذا الكيان وداعميه من الاميركيين وضع صفقة «القرن» على سكة التنفيذ من خلال ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية مع عدم استبعاد حملة تهجير لمئات الاف الفلسطينيين كما حصل في نكبة عام 1948، حتى تتم سرقة هذه المناطق ليس بضمها الى كيان الاحتلال بل بتفريغها من اهلها، وهذا السلوك العدواني والاجرامي للاحتلال لا يمكن تمريره سوى على وقع نيران الحرب والمجازر التي يرتكبها، ومثل هذا المخطط الجهنمي ليس مستبعداً ان توافق عليه ادارة ترامب، ليس فقط لان الاخير اثبت في الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال والموافقة على ضم الجولان، وما استتبع ذلك من بنود صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، بل لان هذا المخطط الصهيوني قد يتفق مع طموحات ترامب بالتجديد لولاية ثانية على وقع حرب اقليمية شاملة ودمار منطقة الشرق الاوسط، فترامب ينظر الى الشعوب والدول من منظار الصفقات وسرقة ثرواتها كما هو حاصل مع النظام السعودي وغيره.

رابعاً: يرى المصدر الديبلوماسي ان اطراف محور المقاومة، ولو انهم يحاذرون من زج المنطقة في حرب شاملة لما لها من نتائج كارثية على شعوبها ودولها، الا انهم قد يجدون انفسهم في لحظة معينة امام حائط مسدود، في ظل المساعي المحمومة لادارة ترامب وحليفتها اسرائيل وتخاذل من الغرب لتجويع شعوب المنطقة ومحاولته فرض شروط واشنطن عليها، وان كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم اكد في مؤتمره الصحافي قبل يومين في تعليقه على قانون «قيصر» الاميركي بأنه يفرض مزيداً من العقوبات على سوريا «ان ادارة ترامب تعيش في الاوهام اذا اعتقدت ان سوريا سترضخ للشروط الاميركية تحت وطأة العقوبات الجديدة».

ومن خلال ذلك، يشير المحلل السياسي الروسي الكسندر نازاروف مؤخراً ان التاريخ يوضح انه خلال الدورات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة غالباً ما تدفع السياسة الخارجية الاميركية الى التضحية بالمصالح الاسراتيجية الاميركية على حساب المكاسب السياسية قصيرة الاجل لمصلحة حزب سياسي او رئىس معين، وبالتالي فالمكاسب السياسية قصيرة الاجل تقتصر الان على الخسائر التي يمكن ان تسببها الحرب على المصالح الاستراتيجية الاميركية ولذلك من الممكن نشوب حرب كبرى يكون لبنان احدى ساحاتها الاساسية.