دخل الانحدار غير المسبوق وعلى كل المستويات داخلياً، دون وجود «بريق نور» ولو بسيط لامكان تفادي ما هو آت من خيارات ضبابية، بل ارجحية سقوط البلاد في متاهات يصعب السيطرة عليها، خصوصاً ان هذا الانحدار ومعها الانقسامات العمودية سياسياً واصلاحياً ومالياً ونقدياً، تداخلت مع دخول الادارة الاميركية في عملية ابتزاز وضغوط بحق لبنان والحد الادنى من المعالجات بعد جملة المواقف الفاضحة لكل من وزير الخارجية الاميركي.

وفق معطيات سياسي بارز قريب من احد المراجع الذين شاركوا في اجتماع بعبدا ان كل الذين حضروا الاجتماع ومعظم الذين غيبوا انفسهم على دراية كاملة بمدى المخاطر التي تعصف بكل ما يهدد بوقوع الكارثة، وبالتالي فالتشخيص الذي خرج به اجتماع بعبدا وبغض النظر عن الثغرات التي كان من الضروري ان تكون في الاولويات ولن تغير في الواقع المأزوم، وما تتداخل به من عوامل داخلية وخارجية كلها تفضي الى الانهيار الحتمي والكبير. طالما ان العلاج لا يتجاوز اصدار البيانات وتشخيص اسباب وفلتان الازمة وبعض مما هو مطلوب من علاجات.

ولذلك، يشير السياسي المعني انه بغض النظر عن الهفوات التي تضمنها البيان تبقى كل هذه الاجتماعات والبيانات والمواقف ومهما كانت الجهات التي تتبنى هذا التشخيص، فلا امل ولا شيء يطمئن اللبنانيين للمستقبل القريب والبعيد دون قرارات حاسمة تطرح للتطبيق الفوري وفي الحدود الدنيا خلال وقت قصير وانطلاقاً من الاتي:

1- اذا كان هناك استحالة تتوافق القوى السياسية المتنوعة على السير بجملة من الاصلاحات السياسية قبل الاصلاحات المالية النقدية والاقتصادية، من حيث اطلاق الخطوات الاولى للخلاص من الانقسامات المذهبية والطائفية، التي رسخها الدستور، فعلى الاقل السير بتطبيق موجبات اتفاق الطائف ومندرجاته السياسية، وعلى مستوى كل العناوين الاخرى، واما لجوء الرئيس السابق ميشال سليمان على سبيل المثال للقول ان اعلان بعبدا هو طريق الخلاص، ليس اكثر من محاولة للهروب من تطبيق الطائف وخصوصاً وثيقة الوفاق الوطني.

2- لم يعد خافياً على كل المسؤولين وفي المقدمة الاجهزة الامنية، والقضائية ان هناك غرفاً سوداء تستغل الواقع المأزوم وما بلغته حياة اللبنانيين من انهيار في كل مقومات حياتهم، وما حصل في الاسابيع الثلاثة الماضية من دخول بعض الجهات التي تريد اشعال الفتنة، في ضوء ما كشفت عنه التحقيقات التي اجرتها بعض الاجهزة الامنية،، وبالاخص فرع المعلومات ومديرية المخابرات ومن ثم الاجهزة القضائية، وما اقرت به الموقوفة بتهمة التعامل مع العدو الاسرائيلي كيندا الخطيب من جهة ولجوء البعض على تمويل المشاغبين.

3- انطلاقاً من ذلك، ومما حصل ويحصل من محاولات مكشوفة لتعطيل الحد الادنى من الاصلاحات والاجراءات الضرورية من جانب قوى سياسية خارج الحكومة ومراجع دينية ورسمية سابقة، لم يعد ممكناً الاستمرار في رهن اي خطوة اصلاحية او ما شابه برضى وغطاء هذا المرجع الديني او ذاك المرجع السياسي او اي زعيم حزبي وسياسي، فالعلاجات وضرورة الخروج من الانهيار وتفادي الاسوأ تستدعي اتخاذ قرارات كبيرة واساسية وحساسة ولو ادى ذلك الى ما يقول المثل «اخر الدواء الكي» ومن حيث اطلاق عملية المحاكمة من هو متهم بالفساد وتبذير المال العام وجمع ثروات خيالية. وبالتالي فمن دون الزام كل هؤلاء باعادة بعض ما نهبوه الى الخزينة ستبقى كل البيانات والشعارات حبراً على ورق.

4- لقد تكشف بما لا يقبل الشك ما تريد وتسعى له الادارة الاميركية، ان من حيث خضوع لبنان لمقتضيات قانون «قيصر» الذي فرض عقوبات ظالمة وغير انسانية طالت كل الشعب السوري، وان من حيث ربط اي مساعدات دولية من صندوق النقد الدولي او غيره، بقرارات تتخذها الحكومة بحق المقاومة وما انجزت من توازن الرعب مع العدو الاسرائيلي.

ويوضح السياسي المطلع ان اولى الخطوات والاجراءات السريعة والمطلوبة من الحكومة والدولة باجهزتها المختلفة الانفتاح والتنسيق مع سوريا، وليس الارتماء في الحضن الاميركي او الخوف من ردات فعل يقوم بها ضد لبنان في حال فتح قنوات التنسيق المباشرة بين الحكومتين، في وقت هناك مبررات وطنية لبنانية، يمكن اعتبارها خيانة ضد لبنان لعدم التنسيق مع سوريا والحوار لحل مجموعة واسعة من القضايا الملحة والعالقة بين البلدين، وبدءاً من عودة النازحين السوريين التي باتت تستنزف الخزينة، في مقابل شح المساعدات الدولية للبنان لتحمل اعباء اكثر من مليون ونصف مليون نازح، كذلك الامر بما يتعلق بتوجه الحكومة نحو دول الشرق بدءاً من الصين في وقت دخلت واشنطن بشكل مكشوف كعرقلة اي تقارب بين لبنان والصين وبما يتيح اجراء مناقصات تتعلق بعمليات تنموية حيوية، من بناء معامل الغاز الى سكة الحديد وامور اخرى.

5- بعيداً عن كل ما يحاك ضد لبنان وعدم استقراره من جهات داخلية معروفة وحلفائهم في الغرب خاصة الولايات المتحدة، لم يعد ممكناً للحكومة واهل السلطة التلهي باصدار بيانات غير قابلة للتنفيذ، بل ان ما هو ملح وضروري قرارات صعبة في شتى الملفات، والقضايا والازمات التي ضربت كل بنيان الدولة وخدمات اللبنانيين، بدءاً من الملفين المالي والنقدي، الى الملف الاصلاحي وما بلغته مؤسسات الدولة، والقيمين عليها من عفن وفساد ومحسوبيات ومحاصصة سياسية وحزبية ومذهبية، ومن دون ما يشبه حالة طوارئ مالية - اقتصادية - اجتماعية وحتى امنية لقطع ايدي مثيري الفتنة وغير ذلك يبقى كل ما يقال ويعلن من مواقف ويصدر من بيانات وخطابات وحتى اجراءات بسيطة من هنا وشكلية من هناك ومراضاة لخواطر القوى السياسية وكل المراجع الدينية من جهة ثالثة، هي تضييع للوقت وانتظار في الفراغ القاتل سواء بالرهان على صندوق النقد الدولي، او غير ذلك من تسويق الدعايات عن توجه لدى السعودية وغيرها لتحويل ودائع الى مصرف لبنان.