فهل تستعيد بكركي مهمتها الشاقة بجمع الخصوم المسيحيّين في هذه الظروف ؟

 


بسبب تدهور العلاقات السياسية بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل والاحزاب المسيحية، بات التيار وحيداً بعيداً عن أي حليف مسيحي، وخصوصاً الركنين الابرز على الساحة أي «القوات اللبنانية» وتيار «المردة» الذي كان في فترة ما وقبل وصول الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا في وضع جيد مع باسيل، لكن ترّشح رئيس المردة سليمان فرنجية قضى على تلك العلاقة، ما جعل التيار البرتقالي في مسار آخر، لتصبح العلاقة في أسوأ حالاتها، كذلك الامر مع القوات اللبنانية بعد توقيع تفاهم معراب، اذ كانت العلاقة على خير ما يرام، وأنتجت دعماً قواتياً لوصول عون الى الرئاسة، لكن تبخّر كل شيء لاحقاً ضمن التسوية الرئاسية، فما لبث الدرب السياسي بينهما ان سلك خط الاختلافات في شتى الامور، ليصبح التيار البرتقالي في عزلة، بعد خسارته حليفين تحوّلا فجأة الى خصمين.

وعلى صعيد التحالف مع الاحزاب الاخرى أي ضمن الخط المغاير، فتبرز العلاقة المتأرجحة بين التيار الممثل برئيسه باسيل والرئيس نبيه بري، وإن كانت في الظاهر تبدو في احسن حالاتها، لكن الكواليس السياسية تؤكد أن الرجلين لا يرتاحان لبعضهما، ما دعا بسياسي عتيق الى التعليق ضاحكاً بأن «جبران لا يثبت على علاقة لان الطلعات والنزلات السياسية تسود علاقاته دائماً مع الحلفاء والخصوم معاً، اما مع حزب الله فلا تزال سارية المفعول حتى إشعار آخر بحسب السياسي العتيق، الذي رأى ايضاً ان باسيل ليس على وئام مع البعض من داخل التيار الوطني الحر، مذكّراً انه منذ العام 2010 بدأت الاعتراضات الفعلية من الداخل على المسؤول الحزبي انذاك جبران باسيل، بحيث اشتكى في ذلك الوقت مسؤولون كبار في التيار من تدخّل باسيل بكل شاردة وواردة، وحينها بدأت حركة المعارضة من قبل الحرس القديم الذي اعلن في ذلك الحين، «بأننا جميعا ناضلنا وقدمنا التضحيات منذ ان وُجد العماد ميشال عون على ارض السياسة اللبنانية»، إلا ان الكوادر المعارضة لم تُسمع مطالبها في ذلك الوقت، واتهمت بأن هدفها فقط المناصب والمواقع السياسية.

في غضون ذلك اشار السياسي العتيق، الى ان رئيس التيار الوطني الحر يعمل حالياً على الانفتاح اكثر في اتجاه الخصوم الاقوياء في الضفة الاخرى، خصوصاً الرئيس بري لانه محتاج الى مَن يسانده سياسياً في هذه الظروف الصعبة، التي أبعدته عن الجميع تقريباً، لذا يقوم بتخطيّ رواسب الخلافات الماضية، وترميم العلاقة التي ترافقت مع توتر كبير في فترة معينة بين  الرجلين.

هذا وتعتبر مصادر مسيحية معارضة لباسيل أنه لاعب ماهر في السياسة، فهو ينفتح على قوى ويعادي اخرى تبعاً لمصالحه اولاً، فيما على خط «الوطني الحر» فتلفت مصادره الى ان رئيس التيار منفتح على الجميع ولا يعادي احداً من دون سبب، بل هم الذين يعادونه والاسباب معروفة ابرزها، طموحهم لإفشال العهد وداعميه معتبرين ان باسيل حقق نجاحات في كل المهام التي تولاها، واستحق هذه المناصب ليس لانه صهر الجنرال كما يسمونه، بل لانه كان الرجل المناسب في المكان المناسب، وليس صحيحاً انه نال التوريث على طبق من فضة، لانه جهد وتعب ووصل، وهو حين كان وزيراً برز في مهمته كثيراً، اذ كان يعمل ليل نهار والكل شاهد على ذلك.

وعن إمكان حدوث مبادرة لجمع الأقطاب المسيحيين في هذا الوضع الدقيق الذي يمّر به لبنان،  ذكّر المصدر عينه انه في العام الماضي انبثقت من اللقاء المسيحي الذي جرى، لجنة مصغرة مثلّت كل الفئات من أحزاب وكتل نيابية مسيحية واجتمعت مرتين، لكن لاحقاً لم نسمع شيئاً عنها، والمطلوب توحيد الرؤية للخروج من الخلافات اليومية، وهذا دور البطريركية المارونية على الرغم من المهمة الصعبة او الشبه مستحيلة، التي سيحملها البطريرك الماروني بشارة الراعي من جديد، وهي توحيد كلمة المسيحيين في هذه الظروف، لكن بالتاكيد سيّدنا البطريرك لم ولن ييأس بعد من تحقيق هذه المهمة، خصوصاً بعد ان اجرى مصالحة تاريخية بين القوات والمردة التي كانت تعتبر مستحيلة، اذ جمع رئيسي الحزب والتيار سمير جعجع وسليمان فرنجية، لان الساحة المسيحية لطالما انتظرت دائماً توافقاً من قياديّيها على القضايا الهامة ، لكن الخلافات المتجذرة في ما بينهم لا تساعده على نجاح مهمته دائماً، لذا يجهد وحيداً لتحقيق ما يقارب المستحيل أي مصالحة حقيقية للاقطاب الموارنة، كما لتأمين مناخ داخلي ماروني يتيح تأمين التوافق بقوة، لان الخلافات المسيحية لها بُعد خطر داخل البيت المسيحي، والساحة محتاجة  لبعض التنفس بعد طول اختناق، جراء السجالات الاكثر تواصلاً بين زعمائها، إنطلاقاً من الدور الوطني الجامع الذي لطالما تميزت به البطريركية المارونية تاريخياً، وحرصاً على وحدة الصف وإيماناً منها بأن الاختلاف لا يعني الخلاف.