طوت السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا من وزارة الخارجية والمغتربين الصفحة على القرار القضائي الذي اتخذه قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح إثر تصريحاتها التلفزيونية الأخيرة ضدّ حزب الله... وكان وزير الخارجية ناصيف حتّي قد استدعى السفيرة شيا بعد ظهر أمس الإثنين للإستيضاح منها عن مواقفها التي طالت الحزب الذي يُشارك في الحياة السياسية اللبنانية... وبعد اللقاء الذي دام نحو نصف ساعة، خرجت السفيرة شيا لتقرأ بياناً مختصراً مكتوباً ولتزفّ فيه للشعب اللبناني بأنّ «العلاقات الأميركية - اللبنانية قويّة، وبأنّ التعاون بين الحكومتين في المجالات كافة قائم، وذلك دعماً للبنان من أجل الخروج من الأزمة الإقتصادية التي يُعاني منها»، وكأنّ الشعب لا يعلم من أدخله فيها.

وإذ رفضت السفيرة الأميركية الإجابة عن أي من أسئلة الصحافيين الذين ملأوا الصالة الرئيسية في الخارجية، مطمئنة إيّاهم في بيانها بأنّ القاء كان «إيجابياً»، يقول بعض العارفين السياسيين بأنّ «التهدئة» تصبّ حالياً في مصلحة الجميع، خصوصاً وأنّ السفيرة شيا كانت تتوقّع ربّما أن تُثير تصريحاتها الجدل في الداخل اللبناني، ولكن ليس أن تصل الأمور الى حدّ اتخاذ قرار قضائي يخصّ الإعلاميين بسببها، إذ يقضي بمنع الوسائل الإعلامية كافة بإجراء أي مقابلة أو حديث معها لمدّة سنة، تحت طائلة تغريم الوسيلة المُخالفة مبلغ 200 ألف دولار أميركي كغرامة إكراهية. علماً بأنّها خرقت هذا القرار منذ اللحظة الأولى لصدوره إذ ظهرت على الشاشات التلفزيونية، وذلك بعد أن تلقّت تطمينات مقرّبة من الحكومة بأنّه سيتمّ العدول عنه. كما لم تكن تتوقّع بالتالي أن يحصل جدل واسع على الصعيد الديبلوماسي والإعلامي والقانوني حول تصريحاتها وحول أحقيّة القرار القضائي بحقّها أو عدمها...

ورأوا فيما ورد في كلام السفيرة شيا عن أنّ الولايات المتحدة «مستعدّة وستواصل مساعدة الشعب اللبناني ما دامت الحكومة تتخذ الخطوات اللازمة لمعالجة أسباب الأزمة»، نوعاً من «الإشتراط»، رغم كلّ ما يُحاوله المسؤولون الأميركيون من الإيحاء به أنّهم يفصلون بين المواقف السياسية وردود الفعل الداخلية عليها، وبين استمرار المساعدات الإنسانية والعسكرية الأميركية السنوية للبنان.

مصدر ديبلوماسي عليم أكّد بأنّ وزارة الخارجية هي الجهة المعنية باستدعاء أي سفير مقيم على الأراضي اللبنانية في حال أصدر تصريحات فيها تدخّل في الشؤون اللبنانية الداخلية، وهي المعنية بتحذيره وتنبيهه إذا ما كانت تصريحاته تمسّ بالسلم الأهلي في البلاد، وعليه هي التي تتخذ الإجراءات المناسبة بحقّه، وليس القضاء اللبناني، وذلك وفقاً لاتفاقة فيينا المتعلّقة بالعلاقات الدولية. في الوقت نفسه، أوضح أنّ وزارة الإعلام هي المعنية بحماية الحريّة الإعلامية، وهي ترفض منع الإعلام من نقل الخبر والحدّ من حريته، وأنّ أي مشكلة تحصل معه يجب أن تُحلّ عبر الوزارة والنقابة والدور الإستشاري للمجلس الوطني للإعلام، وانتهاء بقانون المطبوعات، على ما ذكرت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد..

وأوضح المصدر بأنّ حرية التعبير التي يتمتّع بها لبنان، كما الوسائل الإعلامية فيه، لا تُعطي الحرية المطلقة لأي سفير، أكانت السفيرة الأميركية أو سواها، للخروج عن اللياقة الديبلوماسية أو التدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية، خصوصاً إذا كان هذا الكلام يصبّ في التحريض وإثارة الفتنة، وتأليب شريحة من المجتمع اللبناني ضد شريحة أخرى، أو خلق انقسام داخل المجتمع. فتصريحات السفيرة الأميركية الأخيرة صحيح بأنّ البعض يؤيّدها في الداخل اللبناني، لا سيما الأطراف المدعومة من الولايات المتحدة وأنصارها، إلاّ أنّها في الوقت نفسه مرفوضة من أطراف أخرى متحالفة مع حزب الله ومؤيّدة له.

وبطبيعة الحال، لفت المصدر نفسه الى أنّه حتى وإن كانت الولايات المتحدة تعتبر حزب الله «منظّمة إرهابية»، فإنّه على السفيرة شيا الأخذ بالإعتبار خصوصية لبنان في هذا الإطار خصوصاً وأنّه يُشارك في الحياة السياسية اللبنانية، في الحكومة كما في البرلمان، وضرورة الأخذ بالإعتبار وجهات النظر السياسية المختلفة في البلد الذي تؤدّي مهامها الديبلوماسية فيه، وإن كانت تتعارض مع مواقف بلادها.

أمّا إذا كان أحد أهداف تصريحات مماثلة إسقاط حكومة الرئيس حسّان دياب الحالية كونها «محكومة» من الحزب، على ما ترى الحكومة الأميركية، بهدف تغييرها والمجيء بأخرى جديدة يبقى «حزب الله» خارجها، يجيب العارفون بأنّ التغيير الحكومي صعب في المرحلة الراهنة خصوصاً وأنّ الوضع متأزّم على الصعد كافة.. كذلك فإنّ تشكيل الحكومة يتطلّب وقتاً، ولا يُمكن للبنان بالتالي أن يتلهّى في هذا الأمر، بل على الحكومة الحالية أن تصبّ الجهود كافة لإنقاذ البلد من أزمته المالية والنقدية في أسرع وقت ممكن.

وعمّا إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تنوي تشديد العقوبات على لبنان، أجاب المصدر نفسه بأنّه بحسب معلوماته، تودّ الإدارة الأميركية تغيير الواقع في بعض دول المنطقة، ومنها لبنان، وذلك قبل انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الثاني المقبل، مع إمكانية عدم انتخابه لدورة جديدة. أمّا العقوبات فقائمة أساساً وإلاّ لما تغيّر سعر صرف الدولار الأميركي بهذه السرعة من 1500 ليرة لبنانية الى 8000 آلاف، والأمور تُنذر بالأسوأ. فضلاً عن ذلك فإنّ «قانون قيصر» سيكون له تداعيات سلبية أيضاً على لبنان، رغم سعيه لتحييد نفسه عن أزمات دول المنطقة.

ومن هنا، فإنّ لبنان، على ما أشارالمصدر، بغنى اليوم عن المزيد من التوتّر، أو تأجيج الفتن وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والسياسية بين أبناء الوطن، لأنّه في حال تمّت زعزعة الأمن فيه، وعاد البلد الى أجواء الحرب الأهلية، فإنّ شيئاً لن يُعيد الوضع الأمني الى طبيعته إلاّ تسوية كبيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهذه الأخيرة لن تحصل قبل 5 أو 6 أشهر. فماذا يفعل لبنان في هذه الأثناء وهو بلد التعدّد الطائفي والإنتماءات السياسية؟!