أبعد بكثير من اعادة هيكلة النظام المالي، والاقتصادي. أي نظام سياسي، بل أي دولة في لبنان؟ السؤال الأكثر مرارة، والأكثر واقعية: أي مجتمع في لبنان؟

اذ اندثرت صيغة «الميثاق الوطني»بالثنائية المارونية ـ السنية (الأعلى والأدنى)، تصدعت صيغة الطائف بالثلاثية السريالية المارونية ـ السنية ـ الشيعية .

من ينظر ملياً في السياق الفلسفي، وحتى السياق الميكانيكي، لدستور الجمهورية الثانية، يلاحظ كما لو أن المادة 95 التي أوصت بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، صيغت هكذا لتكون المظلة الزجاجية للفديرالية المقنّعة التي لا بد أن تتداعى ذات يوم ان بحرب اهلية أو بانفجار سياسي، أو بانفجار طائفي.

مقالات عدة نشرت في الصحف الفرنسية، باعتبارنا صنيعة الجنرال غورو، وبعدما كان الملك لويس التاسع (القديس) قد وصف الموارنة بـ«فرنسيي الشرق» .

تلك المقالات تسأل، في المئوية الأولى لـ«دولة لبنان الكبير»، ما اذا كانت هذه الدولة قابلة للبقاء ان لأن وجودها في الأساس لم يستند الى قواعد ترتبط بمنطق التاريخ، أو بمنطق الجغرافيا، أو لأن الطبقات السياسية التي توارثت السلطة أقل أدراكاً لمفهوم الدولة، هذه الدولة بالذات، ما جعلها أقرب ما تكون الى كونسورتيوم للطوائف، التي لا تلبث أن تتعثر و... تتبعثر.

أحدى المقالات سألت عن معنى (ومغزى)الاختباء «وراء ربطات العنق». ثمة أزمة بنيوية في لبنان، ولا امكانية للاعتماد على تسويات اللحظة الأخيرة التي لا تقوم على المعاجة الجراحية وانما على أنساق قبلية تزيد من حدة المنحى الدراماتيكي للأزمة.

أي شكل من أشكال الفديرالية في هذه الحال ؟ الفرنسيون يرون أن الطوائف أيضاً تقوم على معايير (أو علاقات) قبلية. الى أي مدى وصلت الحروب المارونية ـ المارونية ؟ شيء ما يشبه حروب الابادة ليس بسبب التناقض السياسي، أو التناقض الايديولوجي، وانما بسبب الصراع «الخالي من أي معنى» حول الكرسي الذي يحمل الرقم واحد.

الشيعة عاشوا التجربة بكل أهوالها وصولاً الى الثنائية الراهنة على أنها الستاتيكوالذي فرضته معادلات، أو قوى، اقليمية، على أقلية طالما عاشت في التيه، وقد تكون مرشحة للدخول، مرة أخرى، في التيه اذا ما تزعزعت تلك المعادلات لسبب أو لآخر.

للسنّة أزماتهم أيضاً. الأزمة السياسية (السباق الدوري الى السراي الحكومي)، والأزمة الايديولوجية كونهم ينتمون الى أكثرية متعددة الاتجاهات، ومتعددة الصراعات . هنا تبرز الأزمة السوسيولوجية بظهور أفكار مبرمجة، مالياً أو سياسياً، وتحاول أن تشد الطائفة التي ترعرعت على قيم، وعادات، واخلاقيات، المدينة، الى ثقافة تورا بورا. سكان الأطراف الذين عانوا الكثير من الاهمال قد يكونون الأكثر ميلاً الى التفاعل مع الأفكار الأكثر راديكالية، والأكثر انغلاقاً...

بعض الكتاب استندوا الى رؤية عالم الاجتماع الشهير بيـار بورديـو الذي اعـتبر أن الدولة المركبة طائفياً أو اتنياً بحاجة الى ماهو أبعد من التفاعل السياسي، وحيث الساحة المشرعة على كل اشـكال الزبـائنية، والانـتهازية . هنا مشـكلة المجتمـعات في الـشرق الأوسـط «والـعالقة بين جاذبية السـماء وجاذبية الأرض». البقاء في التاريخ الذي ما برح يتقيأ الكراهية. النتيجة... صراع الكراهيات!

ألا نبدو، في لبنان، كما لو أننا نخوض، بالسلاح الأبيض، صراع الكراهيات ؟ الفرنسيون يتحدثون عن «ثقافة التفاهة». الدولة تبدو وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، في حين يرى كل طرف سياسي، أو طائفي، أن بقاءه يرتبط بالغاء الآخر . وجه آخر... لثقافة التفاهة.

الفرنسيون، ونحن نتاج أيديهم، يائسون. لا الصيغة الراهنة قابلة للحياة، ولا الكانتونات تحول دون الانفجار، مع غياب النظام الاقليمي أو النظام الدولي الذي، عادة، ما يضبط الايقاع.

من أطرف ما قيل، في هذا السياق، لبنان يحتاج الى مفاوضات مع التاريخ، وربما مع الله، لا الى مفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

قد تكون المنطقة كلها، وهي في حالة انعدام الوزن، بحاجة الى مفاوضات مع الله#0236