لا تزال مهرجانات بعلبك الدوليّة تدعم الابداع الموسيقي اللبناني، محافظةً على صورتها المشرقة والمزدهرة فنياً وثقافياً، متحديّةً بالفن والموسيقى جائحة "كورونا" والأوضاع السياسية والاقتصادية والامنية التي يمرّ بها لبنان، مثبتةً للعالم كلّه أنها لن تتوقف هذا العام، مؤكدةّ أن الثقافة هي مصدر تطور جوهري يربط ما بين الماضي والحاضر لبناء مستقبل مزدهر، وأن الازمات ستزول بقوة الله، وبإيماننا سنتجاوز كلّ المصائب.


في ملتقى الحضارات بعلبك ستجتمع الموسيقى الوطنية والعالمية في حفل يأتي ضمن الذكرى المئوية للبنان الكبير والـ 250 لميلاد المؤلف الموسيقي بيتهوفن، مع ابراز التراث الثقافي العريق.


دو فريج: الموسيقى هي لغة عالمية توحّد شعوب العالم

وعن تفاصيل هذا الحفل الموسيقي الضخم، تحدّثت السيدة نايلة دو فريج لـ"الديار"، قائلةً:"إن مهرجانات بعلبك الدولية هي من أقدم المهرجانات في الشرق الأوسط، وهي جزء من تاريخ وجذور لبنان". وتابعت:"اخترنا في البدء عنوان "بعلبك 2020"، لكن شعرنا أنه ليس قوي وجذاب، اذ اتفقنا لاحقاً على عنوان" صوت الصمود" (The Sound of Resilience) لهذا العمل الوطني الرائع، فهو بمثابة "صوت المقاومة الثقافية"، مؤكدةً أن "الموسيقى تعطي الأمل والفرح، وهي لغة عالمية توحد شعوب العالم، وما من شيء سيقف بوجهنا وسيؤثر علينا".



"هدفنا هو استمرار القطاع الثقافي والفني في وطننا"

وشددّت:"إن الثقافة لن تموت وهي نبض لبنان وهدفنا هو استمرار القطاع الثقافي والفني في وطننا، لذا أطلقنا "هاشتاغ "The Sound of Resilience" #علّي_الموسيقى #RaiseTheSound #Baalbeck 2020 ".

وكانت قد زارت السيدة دو فريج وعضو الهيئة التنفيذية السيد نبيل نجار والمايسترو هاروت فازليان فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون وأطلعوه على الحفلة الموسيقية التي ستقيمها اللجنة برعايته مع كل الوزارات والاعلام وكل القطاعات التي تسعى جاهداً لنجاح هذه الأمسية المميزة في قلعة بعلبك تأكيداً على الدور الثقافي والفكري للبنان بالرغم من الظروف التي نمرّ بها.



في سياق الحوار، أعلنت السيدة دو فريج، أنه "داخل معبد باخوس الواقع في قلب مدينة الشمس، سيجتمع التاريخ مع الثقافة والفنون من أجل حفلٍ فريدٍ من نوعه يحمل في طياته رسالة وحدة وأمل بغد أفضل، وذلك مساء الأحد 5 تموز 2020، الساعة 9:00 مساء بتوقيت بيروت سيشارك فيه الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية مع جوقة الجامعة الانطونية، وجوقة جامعة سيدة اللويزة وجوقة الصوت العتيق وموسيقيين لبنانيين شباب بقيادة المدير الفني وقائد الأوركسترا المايسترو هاروت فازليان بالاضافة لمشاركة الممثل القدير رفيق علي أحمد، ذلك لمدة ساعة من الوقت تقريباً. وأكملت:" أما السينوغرافيا التي يتخللها صور من الأرشيف وابداعات بصرية فهي لجان لوي مانغي.



وأضافت:" يتميز هذا البرنامج الكلاسيكي بمقاطع موسيقية لبنانية وعالمية اشتهرت في بعلبك ويعرفها الناس جيّداً، من اعداد وتوزيع اوركسترالي للأخوين رحباني غدي وأسامة الرحباني، كما قدم شركاء القطاعات كافة مشاركتهم دون تعويض، تأكيدًا على صمودهم في ظل هذه الأزمة الراهنة".


سهرة "بعلبك" على جميع القنوات اللبنانية والعربية والدولية!

وأشارت أن "هذا الحفل الاستثنائي هو الأول بعد أزمة كورونا في الشرق الأوسط، وسيُبث مجاناً عبر المحطات المحليّة والعربية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيق"Shahid"، ضمن معايير الوقاية اللازمة ودون جمهور، وسيعرض بعد بضعة أيام على قناة "MBC4" أيضاً. وتابعت:"يتصلون بنا من مختلف بلدان العالم كالبرازيل لمعرفة كيفية نقل المهرجان مباشرة ".

وختمت قائلةّ: "الفارق هذه السنة أن الحضور سيكون بالملايين عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي في حين كان يقتصر في السابق على حوالي 3000 شخصاً كحدّ أقصى على أدراج معبد باخوس، و600 داخل المعبد."



فازليان: الأمل بالصمود وبمستقبل مشرق

في الإطار نفسه، يعتبر المدير الفني وقائد الاوركسترا المايسترو هاروت فازليان إن "مجرد إقامة الحفل في بعلبك يجعل منه مميزاً. فالمشاعر والأحاسيس التي تتملكنا في هذه المدينة وفي ظلال قلعتها مختلفة وفريدة. فهي مرتبطة بالنجوم والأحلام. وكما بعلبك، كذلك الموسيقى تعطينا الأمل والفرح والحلم. فوجود مدينة الشمس منذ آلاف السنين لغاية اليوم يعطينا الأمل بالصمود وبمستقبل مشرق. إن الفن والموسيقى وبعلبك يمدّوننا بالقوة وبالدفع الكبير كي نستمر".


وأشار فازليان أن "الحفل سيُقام في معبد باخوس بدون جمهور، حيث سيأخذ أعضاء الأوركسترا مكانهم في نصف المعبد أي مكان المقاعد التي كانت مخصصة للحضور، وجوقتا جامعة سيدة اللويزة وجامعة الانطونية ستجلسان على أدراج المعبد، ممّا سيقدم مشهدية رائعة واستثنائية".

أما بالنسبة للحفل والذي يفضّل فازليان تسميته بالرسالة، والتي يريد توجيهها للبنان والعالم، لأنها ستُظهر أننا ولو كنا بلد صغير جغرافياً، إلا أن أفكارنا وشغفنا وإبداعنا "قدّ الدني كلها".


وأكّد أن الناس سيشاهدون لأول مرة بعد الكورونا أنه هنالك حياة فنية وثقافية. ففي حين أنه في أوروبا تقتصر الحفلات الفنية اليوم على فرق من ثلاثين إلى أربعين عازف ومغنٍ، سيقدّم لنا في بعلبك حوالي مئة وسبعون عازف ومغنٍ أجمل اللوحات الفنية. ونحن فخورون أن هذا الأمر يحصل في لبنان لأول مرة في العالم بعد الكورونا.


ويتابع فازليان الذي يتولى تنظيم الإدارة الفنية للحفل المنتظر وهو الذي يشعر بالموسيقى وبكل التفاصيل المتعلقة بطريقة تقديمها، لأنها أفضل سبيل للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، يشدد أن "برنامج الحفل سيكون مميزاً ليتمكن من إيصال الرسالة التي تتمحور حول الوحدة والتضامن. فبعد الظروف التي عشناها أدركنا تماماً كم أننا بحاجة لبعضنا البعض."



وكشف فازليان أنه "سيتم تقديم مقطوعات كلاسيكية وموسيقى لبنانية لمؤلفين لبنانيين، وهذا ما نحن فخورون به لتذكير العالم أجمع بعظمة الفنانين والموسيقيين الذين كتبوا تاريخ الموسيقى اللبنانية. كما سيتم تقديم مقاطع من أدب جبران خليل جبران، بالإضافة لمشاركة فرقة شابة ستقدم مقطوعات موجهة للشباب." كما أعلن أن الحفل سيختتم بموسيقى لـ "بيتهوفن" الذي تصادف الذكرى ٢٥٠ لولادته، حيث سنعزف" Hymne à la joie "من السمفونية التاسعة التي نعرفها جميعاً، والتي تشدد على الوحدة والتضامن والأخوة، وهي القيم التي نركز عليها من خلال الرسالة التي نقدمها في هذا الحفل المميز."



"مدينة الشمس"...تحاكي التاريخ والعظمة

منذ البداية، استقطبت هياكل بعلبك خصوصاً معبدا "جوبيتر" و"باخوس" أعمالاً مسرحية وموسيقية وفنية نطقت بالارث الثقافي على يد فنانين عظماء. وترددت في أرجاء الهياكل أصوات الفنانين الكبار مثل السيدة فيروز التي أطلّت للمرة الأولى عام 1957 في عمل فني حمل اسم "أيام الحصاد"، ثمّ لمعت الشحرورة صباح مع وديع الصافي في "موسم العز" عام 1960، وبعدها قدّمت كوكب الشرق، أم كلثوم، ثلاث حفلات في القلعة في الأعوام 1966 و1968 و1970، وترسّخت في ذاكرة اللبنانيين والعالم العربي حفلات كلّ من وديع الصافي، وردة الجزائرية، نصري شمس الدين، سمير يزبك، عصام رجي، ملحم بركات، ايلي شويري، عاصي الحلاني وغيرهم..



كما فتحت المجال في "الليالي اللبنانية" أمام الأخوين رحباني، توفيق الباشا، زكي ناصيف، روميو لحود، وليد غلمية، فيلمون وهبي، عبد الحليم كركلا وغيرهم... وشهدت بعلبك أولى الأعمال العالمية لموريس بيجار، أراغون ستينغ وفرقةLord of the dance ، المطربة المكسيكية أستريد حداد...

يذكر أن الرئيس الراحل كميل شمعون وعقيلته السيدة زلفا شمعون هما اللذان أطلقا هذه المهرجانات عام 1956، فاستمرت نشاطاتها حتى عام 1975 ثم توقفت لأكثر من عشرين عاماً بسبب اندلاع الحرب في لبنان، واستعادت نشاطاتها عام 1998.