جنون الاسعار والدولار دون ضوابط... شعارات الانقاذ في «خبر كان»... و«كرة النار» تقترب !

لم تأت استقالة مدير عام وزارة المال آلان بيفاني من فراغ اوهي نوع من «الغنج» وتسجيل المواقف، بل انها جاءت ـ وفق خبير اقتصادي ـ مالي نتيجة معاناة استمرت لفترة طويلة وتحديداً منذ تسلم فؤاد السنيورة وزارة المال كوزير للشؤون المالية خلال حكومة الرئيس رفيق الحريري في عام 1992، وحتى اليوم، حيث ان بيفاني تعاطى بكثير من الشفافية مع المسائل المالية والنقدية.

فأول مرة رفع بيفاني الصوت في الاعلام في 6/3/2019 عندما شدد على ارساء المسألة وتحرير الادارة من السياسيين وشدد على ضرورة اقرار قطع الحساب للموازنات منذ عام 1992 وحتى 2017 بعد ان انجزت وزارة المال بهذا الخصوص وما كان يتم من عزل للموظفين الكفوئين في الوزارة خلال حكومات فؤاد السنيورة حيث الادلة والوقائع تثبت كمّ هائل من مخالفة القوانين وتحويل الوزارة الى «ملك خاص».

وقد وصل بيفاني الى حائط مسدود بما كان يسعى اليه لاصلاح عملية الانفاق وانتظام المالية العامة والسير بعملية اصلاح كاملة، رغم اشارته الى محاولات تعطيل خطة الحكومة حيث لا خطة غيرها مطروح اليوم، ولذلك وجد المدير العام لوزارة المال نفسه في واقع يسير سريعاً نحو الانهيار الكامل مالياً ونقدياً، وبالتالي فهذه الاستقالة ابتغى منها «دق ناقوس الخطر» من استمرار المراوحة في العمل الحكومي من جهة وتوجيه ما يشبه التحذيرات الى كل من يعرقل ويعطل مساعي الحكومة المالية والنقدية من داخل الحكومة وخارجها، وثانياً وضع «كرة النار» المالية والنقدية في مرمى كل المعنيين، بعد ان تجاوز الانهيار «الخطوط الحمراء» وباتت البلاد يفصلها «شعرة» عن الفوضى والافلاس.

ولذلك، فالسؤال، ماذا تعني استقالة بيفاني في هذا التوقيت من موقعه العارف في وزارة المال وكونه عضوا في مجلس ادارة مصرف لبنان؟

لقد وضع بيفاني خلال مؤتمره الصحافي «يده على جرح» ما بلغه لبنان من انهيار غير مسبوق. وان هناك انكار من الطبقة الحاكمة المالية والسابقة لما تحتاجه البلاد من معالجات وحلول في الشقين المالي والنقدي، بدءا من استرداد اموال الناس ووقف تدهور العملة الوطنية واستعادة الاموال المنهوبة والمهربة ورفع السرية المصرفية بالكامل وتحديد الثروات العقارية وتتبع مصادرها ومحذراً من بلوغ مرحلة جديدة من الاستيلاء على اصول اللبنانيين بالحوار ومن تحويل دولارات المودعين الى ليرات بالقوة(....)

ان هذه المفاصل الاساسية للمعالجات المالية والنقدية التي تناولها بيفاني بحسب الخبير المالي، هي المدخل الفعلي لوضع البلاد على الطريق الصحيح ماليا ونقديا، رغم تطرق مدير عام المالية اليها وتحتاج الى بعض «الرتوش والتعديلات» فيما لم يتناول نقاط اخرى ضرورية هي من خارج مسؤولياته مثل الاصلاح الاداري واستقلالية القضاء وامور اخرى ملحة.

والواضح ان كل الانهيار المالي وما يحيط به من قلق وخطر انحدار لبنان نحو الفوضى وصولا الى اعتباره دوليا «دولة فاشلة» وكان اخرها الموقف الذي اصدره الاتحاد الاوروبي متهما فيه الطبقات الحاكمة والمالية والسابقة بأنها «سرقت اموال اللبنانيين، ما يعني ان الساحة الداخلية باتت امام خيارات ضبابية قد يصعب التحكم بها طالما ان لا احد مسؤول وكل فريق «يرمي كرة» المسؤولية باتجاه الاخرين وهو ما يمكن ملاحظته في كل التعاطي القائم وعلى كل المستويات ولو ان خطر الفوضى والافلاس يتجلى بالآتي:

اولا: حال الدوران والمراوحة على مستوى عمل الحكومة واستسلامها لنفس سياسات الطبقة الحاكمة الحالية والسابقة سياسيا وماليا ونقديا ومصرفيا وبالتالي اصبحت في شبه «تصريف اعمال» بانتظار ترياق صندوق النقد الدولي.

- ثانيا: ما هو حاصل اليوم على مستوى كل الجهات المعنية في الدولة وخارجها من حيث تنكر الجميع ليس فقط لمسؤوليتهم عن ما وصلت اليه البلاد من افلاس نتيجة لتقاسم الدولة ومالها العام وسرقة اموال اللبنانيين، بل اصرار الجميع على نفس السياسات السابقة التي افضت الى هذا الانهيار وافشال اي معالجات حتى على مستوى الحد الادنى.

- ثالثا: رغم كل ما حصل ويحصل من انهيار لسعر الليرة اللبناني وتفلت عصابات المضاربة بالدولار وفي رفع اسعار السلع والخدمات لم تخرج المعالجات لهذه العناوين وتداعياتها الخطيرة عن خطوات شكلية، من تعاميم حاكم مصرف لبنان الى ملاحقة المضاربين بالدولار من قبل الاجهزة الامنية والقضائىة فيما لم تتمكن من اتخاذ ولو خطوة بسيطة تحد من انهيار الليرة، وارتفاع سعر الدولار او فتح «ثغرة» صغيرة في متاريس الطبقة الحاكمة حاليا وسابقا وبالتالي انجاز اي خطوة في الحفاظ على اموال المودعين او استعادة المال المهرب قبل المنهوب بينما مصرف لبنان بات شاهد زور على انهيار العملة الوطنية في وقت يمعن اصحاب المصارف في عرقلة خطة الحكومة الاصلاحية (ماليا ونقديا) وفي سرقة اموال الموعدين والتمنع عن القيام بأي خطوة تعيد بعض الثقة للمصارف نفسها قبل الدور المطلوب منهم في عملية الانقاذ، بل ان المصارف ومعهم جوقة المستفيدين من سرقة المال العام وودائع اللبنانيين، يرفضون بأن يكون لهم الحصة الاساسية من كلفة الخسائر التي اصابت لبنان بعد ثلاثة عقود من سوء الائتمان في المصارف ومصرف لبنان ووزراء المال وهو ما يعني ان لا «بصيص نور» ليس لانقاذ البلاد بل حتى وضع حدود لسقف الدولار المفتوح نحو ارقام خيالية.