المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي وما تطلبه فرنسا من اصلاحات والبنك الدولي أيضاً تجعل لبنان تقريباً تحت الوصاية الدولية، ليس على الصعيد السياسي بل على الصعيد الاقتصادي والمالي وادارة الشؤون المالية والاقتصادية في البلاد. إنها البداية، وسيحتاج لبنان في المستقبل الى مزيد من المساعدات وستعمد المؤسسات المالية الدولية الى الطلب من لبنان مزيد من الاجراءات تحت رقابة مؤتمر أرز واحد وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. السؤال هو: هل ينهض لبنان بفعل المطالب الدولية اقتصادياً ومالياً وليس سياسياً، أم ينهض لبنان بذاته وقوته؟

المخرج الاول الوحيد للبنان هو الاستثمار عبر استخراج الغاز والنفط من المربعات العشرة في المياه للبنانية، والاهم عدم خضوع لبنان بعدم استخراج النفط من البر اللبناني، ذلك أنه يوجد نفط في الاراضي اللبنانية وطلبت الولايات المتحدة عدم استخراجه ويبدو ان الحكومات اللبنانية حتى الان خضعت لهذا الطلب، تحت عنوان عدم تلوث الاجواء اللبنانية باستخراج آبار النفط(في البر) ومعامل تكريره. وهذا الحل باستخراج الغاز من البحر واستخراج النفط من البر اذا تم بسرعة فانه يوازي الدين العام ويجعل لبنان بلداً مصدراً للغاز والنفط، لكن البطء الحاصل منذ 6 سنوات حرم لبنان من ثروة كبيرة، ولما وقع لبنان بأزمته المالية الاقتصادية.

هنالك طرف قوي هو حزب الله وحلفاؤه يرفضون أي شروط تجعل لبنان تحت الوصاية الدولية سياسياً تحت عنوان الاصلاحات المطلوبة مالياً واقتصادياً وعبر وضع حساب لبنان تحت التدقيق الدولي، وهنالك جهات تميل الى الوصاية الدولية لانها مالية اقتصادية فقط برأيها، وهذه القوى هي قوى 14 آذار من احزاب وتيارات سياسية.

 تفاقم الأزمة المعيشية 

كرة الثلج تكبر كلما تردت الازمة المالية والاقتصادية. وهذا الامر يجلب المزيد من المشاكل والازمات على غرار تزايد وتيرة انقطاع التيار الكهربائي واضمحلال الطبقة الوسطى وازدياد الفقر بوتيرة متسارعة، اضافة الى حصول حالات انتحار في اكثر من منطقة لبنانية. وفي ظل هذا التهديد الاقتصادي الذي يرخي بظلاله على المواطن اللبناني والاجواء المتوترة في المنطقة، يصبح تفكك الدولة اللبنانية اكثر خطورة فاذا ساءت الاحوال المالية والنقدية اكثر مما هي عليه الان لن تعود سبل المعالجة المقترحة الان قادرة على فرملة الانهيار متى خرجت الامور عن السيطرة.

ذلك ان الليرة اللبنانية خسرت من قيمتها حوالى 60 % في السوق السوداء التي لا تزال المسيطرة في البلد، وهذا يمهد الى دخول لبنان في دوامة التضخم المفرط والمتسارع، اي بمعنى آخر سيشهد لبنان ارتفاعا جنونيا للمواد الغذائية ولكل شيء مستورد اكثر مما وصلت اليه الاسعار الان.

وفي هذا النطاق عدد كبير من التجار والشركات اختاروا الاقفال في هذه المرحلة الى ان تستقر الليرة اللبنانية على مستوى محدد. وهذا الامر طبعا يزيد من البطالة ومن الفقر ويحول المجتمع اللبناني الى مجتمع معدوم من الحصول على حاجاته الاساسية. فالناس باتت تقايض ألبستها او اي اغراض منزلية مقابل الحصول على الطعام، فيلجأ البعض الى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للمقايضة والبعض الاخر مباشرة مع اشخاص قادرين على مساعدتهم.

في المقابل، لا تزال الطبقة السياسية التي اتسمت بالفساد وسوء الادارة واستنزاف خزينة الدولة حتى افراغها لا تلقى عقوبة على ما اقترفته ولا يحاسب فاسد واحد على المال الذي نهبه ولا تسجن الرؤوس الكبيرة المتورطة في تجفيف موارد الدولة وافقار الشعب اللبناني.

الا ان بادرة واحدة ايجابية تقدمت بها الحكومة بناء على اقتراح من وزير الاقتصاد بدعم المواد الغذائية الاولية لعدم ايلام المواطن في خضم حالة الجوع الذي يعيشها اللبناني ولضبط التضخم بقدر المستطاع. وهذا الامر ظهرت نتائجه الايجابية في خفض سعر الدولار في سوق السوداء من 10000ل.ل الى 8000 ل.ل.

 رئيس الجمهورية : لن اتغاضى عن اي مخالفة دستورية 

على صعيد اخر، قالت مصادر مطلعة قريبة من قصر بعبدا ان رئيس الجمهورية طعن في آلية التعيينات لتضمنها بنوداً مخالفة للدستور، خاصة انه حامي الدستور وقد اقسم اليمين على المحافظة عليه. من هذا المنطلق، الرئيس عون لا يعارض وجود آلية للتعينات بالمطلق وهو يؤيد اي اصلاح للنظام السياسي الذي تكلم عنه مرارا، الا ان اصلاح النظام شيء ووضع قانون لتعيين الموظفين بطريقة غير دستورية شيء اخر. وأكد رئيس الجمهورية انه ليس وارداً التغاضي عن اي مخالفة دستورية، حسب ما صدر عن مكتبه الاعلامي.

وفي هذا المجال، قال خبير قانوني للديار طلب عدم ذكر اسمه ان السلطة التنفيذية هي مناطة بالتعيينات وليس السلطة التشريعية حيث الوزير المختص «يغربل» اسماء المرشحين امامه ويختار ثلاثة اشخاص يراهم الاكثر كفاءة ومن ثم يعرضهم على مجلس الوزراء لاقرار اسم واحد. وشدد الخبير القانوني على ان هذه هي الآلية السليمة يجب ان تظل متبعة في لبنان، ذلك ان الوزير المختص هو الاعلم والادرى باختيار اسماء المرشحين الثلاثة وفقا للمادة 95 من الدستور التي تقول : يتم تعيين الفئة الاولى والثانية والثالثة على مبدأ الكفاءة والاختصاص.

وعليه، اعتبر الخبير القانوني ان صلاحيات السلطة التشريعية هي مراقبة مجلس الوزراء ومحاسبته الى جانب قيامه بالتشريع، ولكن الدستور لا يعطيه صلاحية التعيينات بل الدستور واضح بأن ذلك من ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية. واشار الخبير القانوني الى انه للاسف اصبحت الادارة فضفاضة وكبيرة، ولذلك الاهم بين كل هذه المعمعة الحاصلة حول آلية التعيينات هو الاحتكام للمادة 95 من الدستور فتصبح الامور واضحة وسهلة.

 القوات اللبنانية : الرئيس طعن في الآلية لسبب حزبي فئوي اداري وليس لسبب دستوري 

من جهة اخرى، رأت القوات اللبنانية ان الاشكالية الاساسية انه للمرة الاولى في لبنان ومنذ تاريخ الجمهورية اللبنانية نصل الى آلية للتعيينات بهذه الدقة ويرفضها رئيس الجمهورية الذي كان اكد علنا في العام 2019 انه طالما لا توجد آلية قانونية تم اقرارها في البرلمان هو ليس مضطراً للالتزام بأي آلية غير قانونية. وبمعنى اخر، ان رئيس الجمهورية قال انه عندما تقر آلية قانونية في مجلس النواب انا عندئذ ألتزم. وهنا اعربت المصادر القواتية عن اسفها لأن يذهب رئيس الجمهورية نحو الطعن عند اقرار هذه الالية في الوقت الذي كان يجب ان يتلقفها تحديدا كونها احد اهم البنود الاصلاحية. وتابعت ان هناك بندين اساسيين يشكلان العمود الفقري للدولة اللبنانية : الاول هو التشكيلات القضائية لان الدولة الحقيقية تقوم على قضاء مستقل في حين وضع الرئيس عون هذه التشكيلات في «الجارور» في قصر بعبدا ويرفض الافراج عنها. اما البند الثاني فهو آلية للتعيينات ترتكز على مبدأ الكفاءة والجدارة بدلا من تعيين الازلام والمحاسيب. فكيف كان لرئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل تعيين ثلاثة اعضاء تابعين للتيار الوطني الحر في مجلس الادارة الجديد لمؤسسة كهرباء لبنان لو كانت آلية التعيينات قائمة؟ ذلك لا يعني ان الالية تعارض تعيين الحزبيين، ولكن ضمن معايير الكفاءة. على هذا الاساس، اعتبرت المصادر القواتية عدم ترجمة آلية التعيينات لا يعود لسبب دستوري بل لسبب حزبي فئوي اداري من اجل تغليب المحسوبيات على الجدارة. وتأسفت هذه المصادر ان يصار الى ضرب بندين اصلاحيين وجوهريين في عهد الرئيس ميشال عون. ومن ثم نسمعهم يتكلمون عن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بدلا من تلقف التشكيلات والتعيينات والسير بها من اجل القول للصندوق الدولي ان لبنان جدي في مسار الاصلاحات وبذلك تحصل الدولة على المساعدة المالية الضرورية. انما اعتبرت المصادر القواتية ان البعض يضع النفوذ والسلطة اولوية على حساب بناء دولة المؤسسات.

على صعيد اخر، اعتبرت المصادر القواتية ان بكركي خرجت عن صمتها بعدما تدهورت الاوضاع في البلاد بشكل خطر على كل الاصعدة، ومن المعروف ان بكركي تتحرك عند المحطات المفصلية دفاعا عن النموذج والثوابت. والحال ان بكركي رأت ان هذا النموذج الذي ساهمت في تأسيسه عام 1920 بدأ ينهار امام اعينها وليس فقط تراجع المؤسسات الكنسية التي شكلت قيمة مضافة للبنان بل طالت القطاعات الاستشفائية والسياحية والتربوية والمصرفية، ولذلك تحركت بكركي من اجل منع تغيير وجه لبنان وفقا للمصادر القواتية التي قالت : «نحن الى جانب البطريرك الراعي وما قاله هو كلام وطني عابر للطائفية».

وحول التفاوض بين الدولة اللبنانية والعراقية، نأمل ان لا يتعرض لبنان لمزيد من العقوبات والحصار، في الوقت ذاته اي شيء يفيد لبنان ستؤيده القوات اللبنانية. وفي هذا المجال، بدأت المفاوضات وتسربت المعلومات عن اللقاءات التي عقدت بين رئيس الحكومة حسان دياب والسفيرة الاميركية دوروتي شيا وبين الاخيرة ورئيس مجلس النواب بأن هنالك استثناءات واعفاءات وبالتالي استطاع لبنان بنتيجة قانون قيصر الحصول على هذه الاستئثناءات ويمكنه التفاوض مع العراق حول النفط. ونرى ايضا في المجال السوري ان يحصل لبنان على استثناءات بعد تطبيق قانون قيصر كيلا يصبح لبنان امام مزيد من العقوبات.

بكركي: حزب الله من النسيج اللبناني وعلى الجميع التضحية 

بدوره قال المحامي وليد غياض مدير الاعلام في بكركي للديار ان البطريرك بشارة الراعي شدد على حاجة ملحة للبنان وهي الحياد وعدم توريط لبنان بالمحاور الذي ينعكس سلبا عليه. وكشف ان البطريريك الراعي سيحمل هذا المطلب الى الفاتيكان بالدرجة الاولى والى دول اوروبية والى الامم المتحدة. وتابع غياض : ان هذا المطلب لاقى تجاوبا داخليا وخارجيا، فجهات لبنانية عديدة اعربت عن تأييدها لحياد لبنان. وهنا شدد المحامي وليد غياض على ان كلام البطريرك الراعي ليس موجها ضد طرف دون الاخر، فليس كما قال البعض انه موجه ضد الرئيس ميشال عون وحزب الله. وأضاف ان كلام الراعي موجه للجميع محذرا ان لا يجرب احد ان يضع كلام البطريرك في كادر سياسي لبناني معين. واشار الى ان كلام الراعي ايضا لقي ترحيبا خارجيا، فقد لمست بكركي رغبة عالمية بحرصها على لبنان واستقلاله وسلامة شعبه لافتا في الوقت ذاته الى ان البطريرك قال كلمته، ولكنه يرى ان هناك جزءاً من المسؤولية تقع على عاتق الدولة اللبنانية في تكثيف الجهود لضمان حياد لبنان، ذلك ان التاريخ يشهد ان حياد لبنان هو السياسة الفضلى له في هذه المنطقة.

وشدد المحامي غياض على ان بكركي تحرص على سلامة جميع مواطنيها مسلمين ومسيحيين، وتعتبر ان حزب الله جزء من النسيج اللبناني، وتقيم مقاومته ضد اسرائيل وتحرير ارض الجنوب الغالية. ولكن في الوقت ذاته، ترى بكركي ان كلما حصر حزب الله نفسه بلبنان كلما اصبح الاستقرار اللبناني الداخلي اقوى. واكد ان الادارة الاميركية على خطأ اذا كانت تسعى لوضع قسم كبير من اللبنانيين بوجه حزب الله لان ذلك سيؤدي الى تقاتل داخلي لن نرضى عنه ولن نسمح بحصوله، ولذلك الحسابات الاميركية خاطئة حيال لبنان اذا كانت تراهن على اضعاف حزب الله من الداخل اللبناني. وهنا، اعتبر المحامي وليد غياض ان المرحلة تتطلب التضحيات من جميع اللبنانيين رغم وجود، للاسف، بعض الجهات السياسية التي لا تزال تتصرف بأنانية رغم سوء الاوضاع الاقتصادية والمالية والسيادية.

 خطة وزير الاقتصاد لاقت نجاحا ... والمستشار المالي شلهوب : علينا ايجاد الحلول بدلا من التكلم عن الخسائر 

وعلى الصعيد الحكومي، اكد المستشار المالي لرئيس الحكومة جورج شلهوب للديار بأنه يعمل جاهدا لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الحكومة والمصارف، وقد قدمت الاخيرة مشروع مساهمة في الخطة الحكومية. وعليه، قال انه اجرى عدة اتصالات مع لجنة المصارف وتم عقد جلستين معهم حتى هذا التاريخ مشيرا الى ان النقاش تمحور حول العناوين الآتية : الى اين وصلت خطة الحكومة؟ وكيف ستسهل المصارف توزيع الخسائر؟ وكشف المستشار المالي جورج شلهوب انه يحضر لعقد جلسة ثالثة، لكن هذه المرة الجلسة ستكون تقنية حيث «سيتم البحث بتفاصيل الامور كما الاسراع في ايجاد الحلول بما ان عامل الوقت ليس لمصلحتنا».

واوضح شلهوب ان سوء تفاهم حصل مع وزير المالية، وقد تم نقل كلام كاذب عن لسان شلهوب الى الدكتور غازي وزني، الا ان شلهوب شرح لوزني انه كان بصدد ترتيب اجتماع تقني للتسريع في النقاشات بين الحكومة والمصارف. ونفى شلهوب انه قال عن الوزير وزني انه لا يمثل الحكومة معتبرا ان هناك اطرافاً ارادت الايقاع به، ولكن الحقيقة ظهرت، والآن العلاقة بين شلهوب ووزني علاقة ودية ومحترفة.

وفي سياق متصل، اشاد المستشار المالي جورج شلهوب بالخطة التي قدمها وزير الاقتصاد راول نعمة بفتح اعتماد للمواد الغذائية الاولية والاساسية، وهذا الامر انعكس ايجابا على القدرة الشرائية حيث خفف عبء ارتفاع اسعار هذه المواد على كاهل المواطن، اضافة الى ان هذا الاجراء ادى الى خفض الدولار في السوق السوداء. وهنا علمت الديار بأن المستشار المالي لرئيس الحكومة جورج شلهوب كان من ابرز المشجعين لطرح الوزير نعمة، لناحية المحافظة على قيمة السعر للمواد الغذائية وأيضا للتأثير الايجابي في ضبط سعر الصرف بقدر المستطاع.

وحول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، شدد شلهوب على ضرورة تطبيق الاصلاحات التي طلبها الصندوق مشيرا الى ان البعض منها اصبح نافذا في حين الكابيتال الكونترول وإصلاحات اساسية لم تعتمد بعد، وهنا كشف ان بعض الاصلاحات لتحقيقها يجب ان تمر عبر المجلس النيابي. واستطرد قائلا انه حان الوقت ان ننتقل من تقييم الخسائر الى مرحلة ايجاد الحلول.