الحياد الذي دعا البطريرك الراعي اليه هو الحياد الايجابي الذي يحصّن لبنان من الحقد والنزاع الذي يكاد يمزق المجتمع اللبناني من الفقر والجوع والعوز والانتحار والاسوأ من كل هذه العوامل هي الفتنة. الحياد لا يعني الاستسلام ولا الانكسار امام المواجهات التي تفرض نفسها على لبنان ويعني تجنيب الساحة اللبنانية قدر المستطاع تداعيات شد الحبال بين ايران والولايات المتحدة على ارض لبنان. وهل هناك كلام سيادي ووطني اكثر من ذلك؟ هل هناك كلام يجسد الكرامة اللبنانية اكثر من ذلك؟

الكلام الذي قاله البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ينبع من حزن عميق على الشعب اللبناني وليس فقط على مسيحييه، لان كل المناطق في لبنان المختلطة وليس المسلمة فقط او المسيحية فقط تعاني من الفقر والجوع. فلماذا حملة التخوين التي صدرت من قبل اصوات شاذة تتهم البطريركية المارونية بسياسة الخنوع حتى وصل بالبعض الى اختلاق خرافات بان كلام الراعي يمهد الى التطبيع؟

هذا الفجور السياسي رداً على كلام الراعي والذي تضمن تخويناً وخرافات وعدم احترام الرأي الآخر، لا يحصّن المجتمع اللبناني امام الضغوطات التي يتعرض لها، بل يخلق حالة من التوتر وشحن النفوس بالحقد، الامر الذي يزيد من الشرخ في النسيج اللبناني الاجتماعي. بيد ان الصراع الايديولوجي هو بين اليهود والمسيحيين وقد برز ذلك في عدة محطات تاريخية في منطقتنا وما كانت عمليات التهجير الممنهجة لمسيحيي العراق ومصر من الشرق الى جانب التعدي على ممتلكات الكنيسة الارثوذكسية في فلسطين المحتلة الا مخطط صهيوني يكشف عمق الحقد ضد مسيحيي الشرق. فلا احد يزايد على البطريركية والكنيسة في حفط حقوق لبنان والعروبة والمسيحيين المشرقيين والكفاح ضد اي نوع من الاستبداد والظلم.

ان المسيحيين قاتلوا العثمانيين بشجاعة ليستمر لبنان ويبقى، ولولا نضالهم لكان اليوم الشعب اللبناني يتكلم ويكتب باللغة التركية. وعندما اغتصب الصهاينة فلسطين، جميع اللبنانيين رفضوا ذلك وكان ميشال شيحا الذي وضع دستور لبنان الاكثر تيقظاً لخطورة تجزئة فلسطين. وعليه حمل شيحا قضية فلسطين في قلبه ودافع عن سيادتها محذراً من المشروع الجهنمي لاستعمار الشرق الادنى برعاية اميركا معتبراً ان ليس امام العرب سوى خيار وحيد: المقاومة باعتبارها مسألة حياة او موت. وهناك كثر على غرار شيحا دافعوا عن فلسطين وعلموا ان احتلال فلسطين هو الظلم بحد ذاته وان الامر يتخطى الاستيلاء على اراض فلسطينية بل هو بؤرة ستفجر حرب اديان ستصل نيرانها الى كل اطراف الدنيا. ولكن ما ذنب اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً اذا كان معظم حكام العرب مترددين وضائعين وفي قرارة نفسهم لا يريدون فلسطين.

فكفى تطاولاً على الكنيسة وعلى اللبنانيين والمسيحيين الذين يريدون العيش في وطنهم ولا يريدون الهجرة الى بلدان اخرى. اليوم، يعيش اللبناني حالة معيشية سيئة وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم ولبنان دخل مرحلة الجوع، حيث العائلات اللبنانية تعاني في تأمين المواد الغذائية الاساسية، والقهر والتعب يعتريان قلوب الشباب اللبناني. الحل يجب ان يكون بكيفية تخفيف العبء على المواطنين الفقراء، والحفاظ عليهم في بلدهم لا تشريدهم على ارضهم بسبب الحالة المعيشية المتردية.

على هذا الاساس، هناك ايام تحتم الظروف المواجهة والدفاع الشرس بوجه واشنطن «وتل ابيب» او اي دولة تظهر عداء للبنان، وهناك ايام تطلب التريث والترقب واعتماد الليونة في التعاطي مع المجتمع الدولي خاصة اذا كانت الساحة اللبنانية تعيش ازمة معيشية ومالية واقتصادية قاسية بشكل لم يسبق لها مثيل.

اليوم امام صرخة البطريرك الراعي النابعة عن جرح عميق لحالة اللبنانيين نتيجة ادارة سيئة لمسؤولين فاسدين جففوا اموال الخزينة الى جانب التجاذب السياسي في المنطقة الذي ينعكس سلباً على الداخل اللبناني، يجب على الدولة اللبنانية تحمل مسؤولياتها امام شعبها، فالمواطن اللبناني عانى بما فيه الكفاية ودفع ثمن اخطاء ونهج سيئ لطبقة سياسية دنيئة. من هنا، اقل ما يمكن ان تفعله الدولة والقيمون على الوطن ان يبادروا الى تحمل وزر الازمة المالية والاقتصادية وعدم رميها على الشعب، اضافة الى المساهمة في تبريد الاجواء المتوترة مع الدول العربية. بيد ان كيان لبنان مهدد ونسيجه المتنوع ايضاً في خطر ولا قدرة للشعب اللبناني وللدولة ان يواجهوا اعداء كثر وهم في صلب انهيار مالي. وبمعنى اخر، هذا الامر سيؤدي الى هجرة كبيرة للمسيحيين ولفقر مدقع في مناطق مختلطة ومسلمة محض، وبالتالي الى تغيير ديمغرافي ونزوح سكاني كثيف من مناطق الى العاصمة، مما سيحول لبنان من مجتمع متنوع الى مجتمع يأوي اقليات وهم المسيحيون والدروز، وهذه هي الخسارة الكبيرة للكيان اللبناني الذي تأسس على التنوع وليس على اقلية واكثرية.