يُعوّل لبنان على دعم الدول الصديقة له للخروج من المأزق الإقتصادي والمالي والنقدي، فضلاً عن الأزمات الأخرى المتعلّقة بالكهرباء والنفايات وتفلّت سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء وغير ذلك، ولا سيما على الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا التي وقفت وتقف دائماً الى جانبه.. ويبرز الإهتمام الفرنسي بالزيارة الرسمية المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان الى لبنان الذي يصل إلى بيروت مساء الأربعاء المقبل في 22 تمّوز الجاري وتستمرّ يومين مبدئياً، اي يُغادر الجمعة، على أن يُجري يوم الخميس لقاءاته مع كبار القادة والمسؤولين اللبنانيين للبحث في شؤون المنطقة، وفي ضرورة إجراء الحكومة اللبنانية الإصلاحات المطلوبة منها في أسرع وقت ممكن، لكي يتمكّن لبنان في نهاية الأمر الخروج من المأزق ومن الحصول بالتالي على أموال مؤتمر «سيدر».

مصدر وزاري واسع الإطلاع أكّد أنّ أهمية الزيارة تكمن، على ما أعلنت فرنسا، وجرى الإعلان عنه أكثر من مرّة، أنّه بحكم العلاقات الخاصة التي تربط بين البلدين، فإنّ فرنسا تُبدي اهتمامها بدعم لبنان للخروج من أزمته.. ولهذا فمن الطبيعي أن يأتي وزير خارجيتها للقاء رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب والحكومة، وللتحدّث مع وزير خارجية لبنان ويلتقي بالجميع. ومجيئه هذا هو بحدّ ذاته دليل إهتمام للتأكيد على قراءة فرنسا والإستماع الى رأيها بكيفية الخروج من الوضع الإقتصادي الذي وُجدت الحكومة فيه عندما جرى تشكيلها، وتستمرّ في التحاور مع الفرنسيين في هذا الأمر.

وأوضح المصدر، نحن لم نقل أنّه لدينا مشروع ونودّ دعمه وفق معادلة «خذه أو اتركه»، إنّما مددنا يدنا وقلنا أكثر من مرّة أنّه لدينا قناعة أنّ ثمّة حواراً مع الدول الصديقة والدول الأعضاء في مؤتمر «سيدر»، ومجموعة الدعم الدولية للبنان من جهة، ومع ممثّلي القوى الإقتصادية كافة من جهة أخرى. بمعنى أنّنا نتحاور معها، ونتواصل مع الدول التي تدعم لبنان، نستمع الى رأيها في كيفية ما نقوم به، أو ما تقول إنّه علينا الإسراع به، بعقلٍ منفتح. صحيح أنّ القرار لبناني، ولكن بطبيعة الأمر يُمثّل لبنان جزءاً من مجموعة تُساعده في القضايا الإنسانية أساساً، كما في مجالات أخرى ستقوم بها من خلال دعم عملية الإصلاح في لبنان، فمن الطبيعي أنّ نستمرّ بالحوار معها. من هنا، فإنّ زيارة وزير الخارجية الفرنسية هي للتشاور في هذه القضايا وأيضاً للتباحث في التطوّرات في المنطقة، انطلاقاً من أنّ فرنسا لها دور معيّن في المنطقة. كما سيُثير لودريان قضايا المنطقة كافة وتأثيرها على لبنان، ووضع لبنان وكيفية الخروج من المأزق الإقتصادي اللبناني الذي يرزح تحته.

وفيما يتعلّق بقول لودريان الأخير أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي الموجّه للسلطات اللبنانية والذي سبق زيارته للبنان: «ساعدونا لنُساعدكم»، علّق المصدر نفسه بأنّه يقبل كلاماً من هذا النوع من دولة صديقة، معتبراً إيّاه «تصريحاً ينمّ عن اهتمام وحرص». وخلافاً لما فسّره البعض بأنّه «نقد» للحكومة الحالية، يجده «نقداً إيجابياً»، بمعنى «أنّنا ملتزمون بمساعدتكم وبمواكبتكم، وأنتم أيضاً قوموا بما يجب القيام به ونحن ماضون معكم».

وعمّا إذا كان هناك من أمور ملموسة ستُقدّمها الحكومة للوزير الفرنسي فيما يتعلّق بالإصلاحات خصوصاً وأنّ ثمّة شروط موضوعة، أوضح المصدر الوزاري بأنّ «الطريق ماشية»، وقد يرى البعض أن هناك تأخّراً وعدم إسراع. وشخصياً أجد أنّه يجب الإسراع في بعض الأمور أكثر لعدم فقدان ثقة الناس، رغم المعوقات والصعوبات التي نُدركها، يجب العمل بقوّة أكثر. بالطبع هناك الكثير من العوائق الداخلية وغير الداخلية، ولكن يجب المضي بذلك، أي إخراج لبنان من أزمته. وشدّد على أنّه يجب الأخذ بالإعتبار ثلاثة أمور أساسية: أولاً، المضي بإصلاح شامل مطلوب أو ما يُسمّى «إصلاح هيكلي»، وليس راهنا»، ومن جوانبه كافة. ثانياً، عنصر الوقت الذي ليس لمصلحتنا، بمعنى أنّ كلّ من يشاء القيام بالإصلاح الشامل عليه الإسراع في العملية وليس التأخّر، لأنّ إضاعته تُخسّر السلطة السياسية وليس فقط الحكومة. وثالثاً، يجب القيام بحوار مع الأطراف التي ستُساعدك في الخارج، ومع المكوّنات السياسية الداخلية. وقال: طبعاً هناك صعوبات، ولا نقل ذلك من أجل التبرير، بل ليُحفّزنا هذا الأمر على محاولة تخطّي هذه الصعوبات بسرعة أكبر. إذاً، لا مهرب ولا مفرّ بل نحن ملتزمون بعملية الإصلاح الشامل أي الهيكلي للخروج من المأزق لأنّ المراهم لا تُفيد، وهذه العملية ليست بالأمر السهل، لكنها بالأمر الأكثر من ضروري. الوقت عنصر ضاغط وما يُمكن القيام به اليوم بكلفة معيّنة ستكون كلفته أكبر غداً. نحن نعي الوضع الذي نحن فيه، ولا أقول ذلك للتبريرات، لكن وضع الدولة بسبب «كوفيد 19» هو وضع صعب جدّاً، وهذا يجب أن يحثّنا على العمل بسرعة.

في المقابل، أشار المصدر نفسه الى أنّه حتّى الدول التي ستساعدنا عندما تحين هذه اللحظة قد لا تستطيع أن تُساعد على النحو الذي تريده، وهنا يستبق الأمور. فبعيداً عن لبنان، قال: «لننظر حولنا الى المنطقة العربية والشرق الأوسط، إنّ المشاريع الوطنية لهذه الدول قد خُفّضت. كذلك الى الإتحاد الأوروبي كيف قرّر أن يُبلور صندوقاً مالياً بمبادرة فرنسية- ألمانية لإنقاذ الوضع. نحن نمرّ في أزمة على صعيد الوضع الدولي، إذ لم يعد كما كان عادةً».

ومن هنا، كشف المصدر نفسه أنّ حجم القروض والمساعدات التي بلغت في مؤتمر «سيدر» أكثر من 11 مليار دولار قد يُصار الى تخفيضها بسبب الوضع الدولي الذي لم يعد كما كان عليه في السابق. وأشار الى أنّ المساعدات المادية أكثر من ضرورية، ولكن الإصلاح هو المدخل الحتمي للخروج من الأزمة التي هي أساساً إقتصادية، وتداعياتها مالية. لهذا علينا إعادة النظر في النموذج الإقتصادي اللبناني مع الإستمرار والتأكيد على النموذج الليبيرالي، لأنّ البعض يريد أن يفهم خطأ بأنّنا نريد الإبتعاد عنه، فيما هذا النموذج معتمد في لبنان قبل أن ينتشر في العالم. فنحن متمسّكون به وبقطاع الخدمات وسواه من القطاعات، ولكن علينا أن نعطي أهمية، كما هي الدول الليبيرالية أيضاً، والغربية كنموذج، للإقتصاد المنتج سواء التصنيع الزراعي أو الصناعات الصغيرة الحرفية، أو التكنولوجيات الحديثة لأنّها تُكمل وتُساهم في حلّ مشكلة أساسية هي مشكلة البطالة، كما مشكلة ما يُسمّى بـ «الهجرة الداخلية» أي الإنتقال من القرى الى المدن. فإذا ساهمنا في الإقتصاد المنتج، إذ ثمّة مساعدات لنا في هذه القطاعات، ولبنان قادر على أن يقوم بذلك، نخلق نوعاً من التوازن الديموغرافي، فيبقى الإنسان في أرضه وفي ضيعته وقريته وينتج فيها ويعمل ويصرف فيها. هذه نظرة شاملة مع تأكيد أساسي على أن نعمل على ما كان رائداً ورائجاً من فساد بنيوي كان يُشكّل ضغطاً أساسياً على إنهاك الإقتصاد اللبناني. وذكر بأنّ هذه الأمور كلّها مترابطة، ولا يمكن المضي بمشروع دون الآخر معاً، هذا هو التحدّي الكبير ليس فقط أمام الحكومة اللبنانية، رغم أنّ المسؤولية الأولى هي على عاتق السلطة، إنّما هو تحدٍّ كبير أمام المكوّنات السياسية كافة في لبنان، لأنّه عندما تغرق السفينة لا بدّ من موقف وطني جامع من قبل الجميع.

وأضاف: لا أتكلّم على الخلافات السياسية الطبيعية جدّاً، ولكن اليوم حتّى مَن يعتبر نفسه منتصراً قد يغرق بعد دقيقتين من الأزمة. لهذا ففي ظلّ أزمات من هذا النوع، نحتاج الى حوار وطني شامل للخروج من هذا المأزق.