سرّبت مواقف ومعطيات في الساعات الماضية تتحدث عن ما يشبه الاضطرار الاميركي للتراجع امام التوجهات الاخيرة لحكومة الرئيس حسان دياب بدعم من القوى السياسية المشاركة فيها للتوجه شرقاً، والبدء باتصالات مع كل من العراق والصين بالتوازي مع معلومات ترى ان إدارة الرئيس دونالد ترامب ستوافق على ما طلبه الرئيس دياب ومسؤولين آخرين بان يكون للبنان اعفاءات من تطبيق قانون «قيصر» الاميركي الذي يفرض عقوبات على سوريا وكل دولة لا تلتزم بهذا القانون وبنوده، وبالتالي ذهب هؤلاء نحو الاعتقاد بأن هذا التراجع الاميركي سيمكن الحكومة من الانطلاق بجدية بخلاف الاشهر السابقة لمعالجة بعض الازمات في لبنان، من جملة الازمات التي تضرب أعماق الدولة ووضعت اللبنانيين على شفير المجاعة.

قد يكون حسم ما إذا كانت إدارة ترامب غيّرت جزئياً من سياسة دفع لبنان نحو الفوضى والفتنة يحتاج الى ايام واسابيع قليلة على أبعد تقدير، لكن مصدر ديبلوماسي مطلع يؤكد ان ما يحاول البعض من المحسوبين على فريق 8 آذار اشاعته من اجواء ايجابية مضخمة في الحد الادنى ـ اذا لم يكن ان كل حديث ولو عن تغيير جزئي ليس دقيقاً ـ لا يتماشى بأي شكل من الاشكال مع حقيقة الوقائع على مستوى السياسات الاميركية نحو لبنان وكل أطراف محور المقاومة، رغم ان بعض المتفائلين من مصادر ديبلوماسية ـ وفق المصدر المذكور ـ يعتقدون أن الاميركي بادارته الحالية قد تتحاشى دفع لبنان نحو الفوضى الكاملة. لان هكذا وضع لن يفيد  حلفاء الولايات المتحدة في لبنان، كما كان اكد على ذلك الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة.

وانطلاقا مما لدى المصدر الديبلوماسي من معطيات، يرى أن الاشهر القادمة وفي اقل تقدير خلال ما تبقى من ولاية ترامب، وبالاخص الى حين حصول الانتخابات الرئاسية الاميركية، فالضغوط الاميركية على اطراف محور المقاومة ولبنان والحكومة ستشهد ضغوطاً متزايدة بما في ذلك على حكومة دياب التي تعتبرها واشنطن تتقاطع مع توجهات حزب الله الذي هو أحد الاطراف الاساسيين في المحور الذي يواجه المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي، ولذلك يعتبر المصدر أن إشاعة أجواء ايجابية في سياق الصراع المحتدم لبنانياً، اقليمياً لا يخدم لبنان، ولا الحكومة والقوى التي تريد النجاح لها، وحتي لا يقع البعض بتجارب خبرها اللبنانيون في اكثر من ساحة عربية، حتى لو اضطرت الادارة الاميركية «غض النظر» عن تواصل جزئي مع سوريا يتصل بموضوع الكهرباء، او مع العراق حول تزويد لبنان بالنفط، رغم ان المثل يقول «لا تقول فول حتى يصير بالمكيول»، وما يدعو الى انتظار فترة صعبة جداً، تحمل في مساراتها المحتملة كل الخيارات السلبية أكثر بكثير من الواقع المأزوم اليوم، الاعتبارات والمعطيات والمعلومات التي يوجزها المصدر بالآتي:

ـ اولا: بعيداً عن الضغوط الاميركية المرشحة نحو مزيد من التصعيد، لا شيء يوحي داخلياً بتراجع الصراع المستحكم بين القوى السياسية المشاركة في الحكومة ـ المختلفة بين بعضها اساساً ـ بين القوى السياسية من خارج الحكومة، ومعها كل مواقع التحكم بالقرار المالي والنقدي، وحتى لا وجود حتى الآن لدى الحكومة ومن يغطيها سياسياً من خطة انقاذية واضحة وقابلة للتنفيذ، عدا عن أن حلفاء الولايات المتحدة سيستغلون كل ما لديهم من اوراق داخلية لخلافات خارجية لاجهاض أي توجه اميركي بتخفيف الضغوط على حكومة دياب.

ثانياً: ان الرئيس ترامب الذي يواجه ازمات كبرى في الداخل الاميركي وادت الى حصول منافسه جو بايدن في استطلاعات الرأي على اكثر من  51 بالمئة في مقابل 36 بالمئة لن يوفر اي محاولة في اي مكان في العالم لتحسين صورته أمام الرأي العام الاميركي، وتأتي مواقع الصراع مع قوى محور المقاومة في اولويات ترامب وادارته، ولبنان مرشح ليكون أحد ابرز مواقع الصراع.

ثالثاً: ان مسألة اخضاع لبنان لشروط كيان العدو الاسرائيلي في مسألة ترسيم الحدود البحرية والبرية، تبقى أحد القضايا الاساسية التي يريد الاميركي فرضها على لبنان، وهذا المنحى الخطير كشفت عنه السفيرة الاميركية في بيروت دورثي شيا بشكل وقح في خلال لقائها مؤخراً مع الرئيس نبيه بري، بحيث لجأت الى مقايضة المساعدات للبنان في مقابل قبوله على مستوى الحدود البحرية الجنوبية وكان رد الرئيس بري واضحاً وغير قابل للتأويل، ان لا تراجع عن شبر واحد من حقوق لبنان في البحر والسير مهما كانت النتائج.

رابعاً: ان ادارة ترامب التي تضع ليس فقط الامن في كيان العدو، بل توسعه وهيمنته على الدول العربية المحيطة، لا زال يرى بها كيان العدو، ان صواريخ حزب الله وقوته تشكلان عنصر تهديد دائم ضد العدو واستقراره وبالتالي فقانون قيصر الاميركي ضد سوريا هو ايضاً يندرج في سياق الدعم الاميركي لاسرائىل ومحاصرة محور المقاومة وما يحصل في الداخل الايراني والعراق مؤخراً من عمليات ارهابية ـ مجهولة من حيث الاعلان عن مسؤولياتها ـ هي دون شك عمل عدواني اميركي ـ اسرائيلي، وبالتالي لا يستبعد المصدر توسع هكذا اعمال ارهابية ـ على غرار القصف باتجاه المناطق السورية ـ الى ساحات اخرى ولبنان قد لا يكون مستثنياً منها.

خامساً: ليس صدفة ان تحدد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان السابع من الشهر المقبل موعداً لاصدار الحكم باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبالتالي لجوء المحكمة لالصاق مزاعم الاغتيال بعدد من كوادر حزب الله وحتى ما تحدث عنه مسؤولين اميركيين حول اصدار لائحة بعدد من المسؤولين اللبنانيين المتورطين بالفساد لا يستبعد ان تكون هذه اللائحة ملغومة وتريد حصر الفساد باطراف سياسية من خارج حلفائها لغايات تدخل في سياق الضغط على حكومة دياب والقوى السياسية المشاركة فيها.

على ان مصدر حزبي لبناني يرى أن الفترة الاخيرة حملت بعض المؤشرات على حصول تخفيف في بعض مكامن الصراع بين واشنطن وطهران، وان لبنان هو من بين الدول الذي استفاد من ذلك، لكنه يقول أن بعض المعطيات الاخيرة في غير ساحة اقليمية، ومنها في شمال سوريا وفي لبنان تؤشر لهذا التصعيد، بحيث يعيد المصدر الحزبي التراجع الاخير لسعر الدولار الى تراجع أدوات الضغط الاميركية، لغايات واهداف تتطابق مع مخطط ضرب سعر الليرة اللبنانية يرجح ان تعود الضغوط الاميركية نحو التصعيد في وقت قريب جداً. في وقت لا يمكن المقارنة بين ما يمثله ترامب وادارته من سلوك متطرف يندرج بالكامل مع سياسات بنيامين نتنياهو وفريقه الارهابي الحاكم في كيان العدو الاسرائيلي.