يعيش لبنان ازمة وجودية فعلية، لجهة استمراره كدولة فيها سلطات ومؤسسات، وكشعب يئن من الجوع والفقر والبطالة، وتوقف الدورة الاقتصادية، مع اقفال مؤسسات وصرف موظفين وعمال، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي، وتهاوي القطاع الاستشفائي، وتوقف العمل السياحي، وندرة المواد الغذائية بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار امام الليرة اللبنانية، وانعدام القدرة الشرائية لدى المواطنين.

هذا المشهد المأساوي، تدل عليه الوقائع اليومية لحياة اللبــنانيين، الذين فقدوا الامل بتحقيق اصلاح، في ظل حكومة عاجزة عن تســجيل انجازات قال رئيسها حسان دياب انه حقق 97% مما وعد به خلال اول مئة يوم من عمل الحكومة، ليظهر على الارض، بأن لا شيء انجز، وفق مصدر سياسي، الذي يرى ان الحكومة ما زالت تتعاطى مع الازمة على انها ليست من صنعها، وهذا صحيح، لكن المطلوب منها الحلول، ولم تقدم عليها، لا سيما في الموضوع المالي، اذ ما زال تهاوي سعر الليرة، مع وجود اسواق عدة، لم تتمكن من ضبطها، وهذا الوضع لا يصب في صالح الحكومة التي تتقاذف المسؤولية، مع مصرف لبنان، وجمعية المصارف، واراء المستشارين، الذين استقال بعضهم، لان الحــكومة تراجعت عن خطة «التعافي المالي» التي وضعتها، كما ان ارقام الخسائر متعثرة، بينها وبين مصرف لبنان، ولجنة المال والموازنة النيابية، وهو ما اربك المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

فالحكومة مثلاً لم تأخذ قراراً باعتماد التقشف الفعلي، كمثل وقف صرف رواتب نحو 5300 موظف، ادخلوا سياسياً الى مؤسسات وادارات الدولة، في مخالفة واضحة للقانون رقم 46 الذي صدر لسلسلة الرتب والرواتب، يقول المصدر، الذي يسأل عن الكرم الحاتمي للحكومة، التي تعد مشروع قانون لدعم المدارس الخاصة غير المجانية على انها متعثرة، والكل يعلم الارباح التي تجنيها هذه المدارس، كما ان المدارس المجانية والنصف مجانية، لم يتوقف دعمها، ليتحول الى المدارس الرسمية، وهي اموال تهدر لصالح قوى طائفية وسياسية، وفق المصدر الذي يتحدث عن ان الحكومة تتعاطى بالقطعة مع الازمة، بدلاً من حل شامل لها، اقله المباشرة بمحاسبة الفاسدين، وقد اظهر تحقيق اولي لديوان المحاسبة عن هدر او فقدان 27 مليار دولار منذ العام 1993، فاين هي هذه الاموال ولمن ذهبت، والجميع يعلم ماذا حل بمبلغ 11 مليار دولار الذي وصل الى الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة، بعد حرب تموز 2006، وحصل سجال حوله، ولم تصل التحقيقات الى نتيجة.

والحكومة وقد اقرت اللجوء الى لجنة تدقيق دولية، للبحث عن الاموال، وكيف صُرفت، فان عرقلة قيام اللجنة او الاعتراض على اسماء شــركات، هو ما يكشف عجز الحكومة التي قررت دعم الســلع الغذائية الاساسية، ولكن عبر التجار الذين سيضاعفون ارباحهم، بدلاً من ان تقوم الحكومة هي بالاســتيراد المباشر، يقول المصدر، الذي يسأل عن وزراء لا يختلفون عن من سبقهم، في حكومات سابقة لجهة الاداء والوظيــفة التي يؤدونها، من خدمة اصحاب رأس المال وشركات الاحتكار ومافيات التجار، اذ لم يتغير التوجه الاقتصادي، الا بما يقال ويشاع عن دعم القطاعات الاقتصادية المنتجة، كالصناعة والزراعة.

فالازمة المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية، لم تنشأ مع هذه الحكومة، بل هي تراكم سنوات من سياسات حكومات سابقة، وعمل مجلس النواب الرقابي والتشريعي، وغياب الســـلطة القـــضائية المستقلة، لكن هذه الحكومة عليها ان تبادر وتتــخذ القرارات الجريئة يقول المصدر، ولم يظهر أي من الوزراء بأنه مميز في ادائه، واقدم على تغيير ما، يطمئن اللبنانيين، الذين واكبوا الحراك الشعبي الذي لم يكن اداؤه افضل من السلطة، وهو يتخبط لجهة برنامجه، كما في انتاج قيادته، واظهر ضعفه الذي اعطى قوة للســلطة، اذ كل من هو في الحراك يغني على ليلاه وله مواله، كما امواله، وهذا ما يُدخل اليأس الى اللبنانيين، الذين امام عجزين السلطة سواء في الحكومة او خارجها، عملاً بشعار «كلن يعني كلن»، و«الحراك الشعبي» أسير شعارات وهتافات وصراخ، لم يعط نتائجه بعد.