ويحدثونك عن الاصلاح ومحاربة الفساد وشعارات ومواقف بالعشرات كل يوم، فيما ممارساتهم في الواقع والفعل هي ضرب وافشال كل توجه حقيقي يراد منه فتح «كوة صغيرة» تحد عن الانحدار الخطير في الدولة ومؤسساتها، ومعهم قضايا اللبنانيين ومآسيهم اليومية، فيما من الواضح ان الفعل الضروري للانقاذ لا زال مجرد على الورق حتى لا نقول انها اصبحت «في خبر كان».

هذا الواقع، هو اقل ما يمكن سحبه على الجانب الاكبر من اداء الحكومة وبالاخص القوى السياسية المشاركة فيها وفق سياسي مطلع، وله باع طويل كشف موبقات الطبقة السياسية منذ فترة طويلة، فحكومة الرئيس حسان دياب، ومن يتحكم بعملها وعمل معظم وزرائها الغائبون عن السمع والمستقيلين من عملهم، حتى بلغ الامر بالحكومة لتقاسم دورة خفراء الجمارك والمصنفة ما يعد الدرجة الرابعة وطبيعياً، من خلال العودة الى ما يسمى المناصفة الطائفية مع اعطاء الاولوية للوائح المرفوعة من القوى السياسية المعنية، بحيث شكل اصدار اسماء الناجحين في هذه الدورة سقطة قاتلة للحكومة وللذين يشاركون فيها، بعد ان جرى اقصاء مئات الناجحين بجدارة وبمعدل 16 على 20 لمصلحة اخرين من طوائف اخرى نجحوا بمعدل 11 على 20 وبالتالي اظهر اصدار المرسوم خروجاً غير مسبوق عن معيار الكفاءة لمصلحة المحسوبيات ومعايير التقاسم المذهبي عدا انه يضرب بعرض الحائط ما نص عليه اتفاق الطائف من حيث ابتعاد التوظيف ما عدا الفئة الاولى عن كل التوازنات المذهبية.

والغريب اكثر بحسب السياسي المذكور، ان العهد وفريقه السياسي اللذين يرفعان شعار الاصلاح والتغيير يصران على ممارسة عكس منطوق هذا الشعار، حيث أتت اعادة النظر بلوائح الناجحين لصالح المعايير الطائفية على حساب الكفاءة، وحق الناجحين حصلت بضغط واصرار من العهد وفريقه بعد تعطيل اصدار الدورة لفترة طويلة للمرسوم، في حال عدم الاخذ بالمناصفة الطائفية واسقاط منطق الكفاءة، والحق لاصحاب الجدارة من الناجحين بالتعيين، فيما لا يزال اصدار نتائج الامتحانات لصالح اكثر من مرفق عام متوقعة بسبب اصرار هذا الفريق على اسقاط الكفاءة والاخذ بالمناصفة، مع كل التداعيات السلبية لهكذا سياسة وتعطيل قياسية، فيما الاخرون في الحكومة لا يريدون منع ذلك لغايات معروفة.

فسياسة المحاصصة وغياب الحد الادنى من معايير الكفاءة مورست من قبل القوى المشاركة في الحكومة منذ الشهر الاول لتأليفها، ولا زال التحاصص هو المعيار الوحيد ليس فقط على مستوى كل التعيينات التي حصلت في المرافق والمؤسسات المختلفة المالية والنقدية ومؤسسة كهرباء لبنان والمناقلات القضائية المجمدة ومواقع اخرى، بل تعدى ذلك الى المحاصصة على مستوى انفاق المال العام كما حصل في تخصيص 500 مليار للمدارس الخاصة والرسمية حيث معظم هذه المبالغ لارضاء بعض اصحاب المدارس الخاصة ومعظمها تعود لجمعياتها ومؤسسات دينية الى اعادة الامر بانشاء معمل ثالث للكهرباء في سلعاتا، بعد الاصرار على المحاصصة تبدى جلياً في اعادة القانون الذي لا يحصر اختيار لائحة من ثلاثة اسماء او اكثر للتعيين في احد مواقع الفئة الاولى بالوزير المختص، بعد رفع اللائحة الى مجلس الوزراء. وبالتالي، فالعهد وفريقه يرفضان ان يكون هناك لجنة من الوزير المختص ومن مجلس الخدمة المدنية ووزارة التنمية الادارية.

والواضح حسب معلومات السياسي اللبناني انه بالتوازي مع تكرار مواقف كل المعنيين بعمل الحكومة، ومن كل الكتل النيابية للقوى المذكورة، والتي تستعيد نسخ نفس البيانات منذ سنوات طويلة مع بعض التعديلات الشكلية، فان تعاطي الحكومة وكل القوى السياسية الممثلة فيها بدءاً من العهد وفريقه لم يخرج حتى اليوم عن سياق المحاصصة من جهة التفتيش عن «مسكنات» يراد منها تخفيف سرعة الانهيار، ولو ان هذه «المسكنات» في احسن الاحوال يراد منها كسب الوقت، في وقت تبقى المعالجات الجدية والضرورية بانتظار «ترياق» صندوق النقد الدولي ومن ورائه الاميركي وحلفاؤه.

لذلك، فالسؤال، الذي يقلق اكثرية اللبنانيين، اين الحكومة والقوى السياسية المشاركة فيها متى تنفيذ الوعود والشعارات والمواقف لوضع البلاد على طريق الخروج من حال الانهيار، وعلى ماذا يراهن هؤلاء؟

بداية يقول السياسي المعني ان لجوء الحكومة وداعميها لتحميل الخصوم في الداخل والخارج مسؤولية العجز بالتوازي مع الايغال في المحاصصة هو كلام حق يراد منه باطل فمحاولات عرقلة عمل الحكومة ومحاصرتها من جانب واشنطن وحلفائها في لبنان لا يختلف عليه «اثنان»، العودة لطرح ما يسمى بالحياد يساهم لكن على الحكومة وبخاصة القوى السياسية صاحبة المصلحة بانجاحها ان التحرك لاسقاط السياسات التي اعتمدتها الحكومات منذ العام 92 وحتى اليوم وادت الى الانهيار بدءاً من المحاصصة الى استمرار الفلتان المالي والنقدي وكل انواع الهدر والسمسمرات والمحميات الحزبية والمذهبية، للانطلاق من ذلك الفعل الحقيقي في الاصلاح والخروج من شعارات مكافحة الفساد التي تثير الاشمئزاز والغضب لدى المواطنين، الى الفعل الجدي الحقيقي بعيداً عن حماية الازلام، وبالتالي استعادة المال المنهوب والبدء باخراج الدولة بكل مؤسساتها وادارتها من الصرفيات ومعه انفاق مئات مليارات الليرات اللبنانية دون جدوى، بالتوازي مع اجراءات قابلة للتطبيق بما خص ضرب مافيات المضاربة بالدولار لاسقاط العملة الوطنية من جهات كان معظمها معروفاً في الداخل والخارج، حيث تقوم بعض الدول التي تريد اسقاط الحكومة لتغطية شبكات المضاربة بالدولار من داخلها، كما هي الحال في تركيا واكثر من دولة خليجية.

ولذلك يوضح السياسي المعني ان الجهد والاتصالات التي قام بها المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم على بعض الدول العربية ومع سفراء بعض دول الخليج هي جهود ايجابية جداً، قد تساهم باحداث تغيير لمصلحة لبنان على مستوى تقديم المساعدات او تنشيط ما يفيد لبنان والدول المعنية، لكن رهان الحكومة ومن يدعمها سياسياً على «ترياق» المساعدات الخارجية او تجاوب واشنطن مع اعفاء لبنان من بعض جوانب قانون «قيصر» فيما يسهل على الحكومة معالجة بعض الملفات العالقة مع سوريا، لن تتعدى «مسكنات» مؤقتة، طالما ان هناك استحالة بضخ ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار في الخزينة، وهذا لا يمكن التعويل عليه من دون فعل جدي وسريع لمكافحة الفساد واستعادة المال المنهوب ومن الرهان على صندوق النقد يبقى مجرد «سرّاب» على الاقل في غياب الاصلاحيات المطلوبة.

على ان استمرار هذا العجز من جهة والتمنع عن الدخول الجدي في جملة واسعة من المعالجات الداخلية من جانب الحكومة وما تمثل هو نوع من «جلد الذات» ومعه «جلد» الوطن، وبالتالي على الحكومة واطرافها السياسية الخروج من وضع المسؤولية في مكان آخر كما قال النائب شامل روكز في كلمته امام اعتصام ساحة الشهداء قبل ايام، «ان اكون مسؤولاً على مدى سنوات واتهم غيري بالفشل بتهمة ما خلوني اشتغل وهذا اشرف له ان يستقيل ويفسح المجال لمن يريد العمل»، رغم ان المخرج الفعلي من هذا الانهيار الذي انتجه زعماء الطوائف هو في ارساء شرعية الدولة المدنية، وفق توصيف الوزير السابق شربل نحاس في الاعتصام نفسه.