طرح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي مبادرة «حياد وتحييد لبنان»، من أجل جعله مركزاً لـ «أكاديمية التلاقي والحوار» فيلتزم بالقضايا العربية من دون الدخول في شؤون الصراعات السياسية والعسكرية أو في أحلاف، بل يكون المُدافع الأول والمعزّز للعدالة والسلام والتفاهم في القضايا العربية والدولية. وإذ وجد البعض أنّ هذه المبادرة موجّهة ضدّ «حزب الله»، نفى غبطته ذلك مؤكّداً على أنّ الحياد يعني الجميع، داعياً أن يكون الولاء للبنان وليس للحزب أو الزعيم.

ومن بين المتلقّفين لهذه المبادرة، كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي يتّهم حكومة الرئيس حسّان دياب بأنّها حكومة «حزب الله» ويدعو الى كفّ يدّ الحزب عنها، والى تشكيل حكومة جديدة من دونه. عن قول بومبيو هذا، قال مصدر وزاري واسع الإطلاع أنّ هذا رأيه السياسي، ومن حقّه قول ما يريد، ونحن نسمعه، ولكنّ التقييم يكون عبر السياسات. وتساءل: هل سياسة لبنان اليوم هي سياسة حزب معيّن أكثر من السابق عندما كانت كلّ الأطراف مشاركة في السلطة، ليتفضّل أحد ويُجيبني عن هذا السؤال؟ وتابع: أفهم الإتهامات وأحترم الآراء، ولكن فلنُحاكم على ما يحصل على الأرض. أنا أعمل بقناعاتي والحكومة تؤيّد مواقفي، وقد دعوت منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة بالإنفتاح على العرب والذهاب نحوهم، وأكّدت على مواقف معيّنة متوازنة، مثل ضرورة المصالحات، وتحدّثت عن دور الإطفائي وعن دور «الحياد الإيجابي» للبنان.

وشرح معنى «الحياد الإيجابي»، مشيراً الى أنّه لا يعني «حياداً دولياً» في المفهوم القانوني. ففي الصراع العربي- الإسرائيلي لبنان يُشكّل جزءاً، والبعض يخلط بين الحياد والحياد الإيجابي الذي يعني أنّنا لا ندخل في صراعات المنطقة، فهي نظرة أكثر تطوّراً وعُمقاً من «النأي بالنفس». إنّ لبنان يعمل ما عليه ويبني ما يُمكنه بناءه وفق معايير سياسة الدولة، وليس وفق معايير هذا الطرف أو ذاك. وأشار الى أنّ ميزة لبنان في وجود الأحزاب، وقد يكون الطرف الأضعف، ولكن هذا هو موقف الدولة اللبنانية: التوافقات، الحلّ السلمي للصراعات، عدم التدخّل في شؤون الآخرين. وإنّ جميع المواقف التي يتخذها في الإجتماعات الوزارية في جامعة الدول العربية، أو في منظمة التعاون الإسلامي أو في الإتصالات كافة، تحظى بدعم وإجماع في السياسة الخارجية.

وانطلاقاً من هذه المبادىء، فإنّ لبنان يُميّز بين الحياد والحياد الإيجابي، على ما أضاف، وما يُحكى عنه هو الحياد الإيجابي إذ لا يُمكنه أن يكون دولة محايدة، سيما أنّه عضو مؤسّس في جامعة الدول العربية، وبالتالي في الصراع العربي- الإسرائيلي ليس محايداً. ولكن في المقابل، لا يستطيع لبنان أن يحمل، كما كان يفعل، أكثر من طاقته جرّاء الحِمل عن الجميع. لقد قدّم لبنان الكثير ولكن يبقى ملتزماً، وهذا هو الفرق. وعندما يتحدّث البعض عن الحياد، المقصود به الحياد الإيجابي، وليس التحييد بالمفهوم السويسري أو النمسوي. وذكر المصدر نفسه أّنّ وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتّي، وهذا يُرى من خلال المواقف التي يتخذها، ولم ينتقده أحد في الحكومة عليها، عندما يتحدّث بالمعايير وليس بمنطق مثالي، يعني بها احترام العلاقات بين الدول، علماً بأنّ كلّ الدول تتدخّل بالدول الأخرى، ولكن بطريقة دون الأخرى. ومن الطبيعي أن يريد طرف ما وضع لبنان بمكان آخر، ورأيه مسموع، ولكن اليوم كلّ شيء يبقى نظرياً إذا لم نُنقذ المركب من الغرق.

وعن حقّ «حزب الله» باستخدام سلاحه ضدّ الإعتداءات الإسرائيلية، أوضح أنّ الحكومة ملتزمة بأمن لبنان الوطني، وهذا موضوع آخر. المهمّ ألا تُجرّ الدولة رسمياً الى موقف في صراعات قائمة في المنطقة، إذ لا تستطيع تغيير وضع طرف ما. واليوم ثمّة مشكلة إسرائيلية- عربية، لا يُمكن للبنان أن يكون في الحياد الإيجابي تجاهها، بل هو في الرأس. وعندما يتمّ اعتداء من دولة على دولة، يقف ضدّ هذا الإعتداء. وقال إنّ «الحياد الإيجابي» لا يعني أنّ لبنان محيّد بالمفهوم السلبي، في القانون الدولي، هو دور متوازن يأخذ بالإعتبارات المعطيات الضاغطة كافة والمؤثّرة في لبنان. ورأى أنّنا لا نعيش على كوكب آخر، إلاّ أنّ لبنان هو الدولة الأكثر تأثّراً، للأسف، والأقلّ تاثيراً في المنطقة. ولهذا قام الوزير حتّي أكثر من مرّة بطرح فكرة أنّ يلعب لبنان دور الإطفائي الناشط في المنطقة، ولكن شروط دور الإطفائي هي أن يكون له علاقات ثقة مع الجميع.

ولفت الى أنّ الخلاف في الرأي لا يُفسد في الودّ قضية، قد يختلف لبنان في مكان، ويتعاون في مكان آخر. إنّ دولاً رئيسية عدّة في المنطقة تقوم بمثل هذا الأمر، لا يقصد بها إسرائيل، فهي تختلف في مكان وتلتقي في مكان آخر. وأشار الى أنّ أي نموذج في العلاقات الدولية يبني على المشترك ويُحاصر المختلف، وهذا الأمر أساسي جدّاً لأنّه إذا أردنا الحفاظ على الإستقرار المجتمعي في لبنان، أي على الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، لا بدّ من العمل على هذا الأمر وليس على الإستقرار السياسي الهشّ، على أساس أنّه عندما ينزع كلّ طرف يده من لبنان في لحظة توافق، يُمكننا العيش. الأمر ليس على هذا النحو، فالإستقرار المجتمعي يتطلّب خلق الظروف لأنّ الخطر يبدأ من هنا. فإنّ الصراعات السياسية، قد عولجت في الماضي، من الخارج الى الداخل، لكنّ الخطر يبقى عندما يكون هناك نزيف.. ولبنان بلد مصدّر لأبنائه، يعيش الإنتظار في الطريق الى المطار، وهو لن يذهب الى فتح العالم، بل يبحث عن مكان يعمل فيه. من هنا، لا يُمكن أن «يمون» على حزب هنا أو هناك، ومن ينتقد الآخر هو في مواقف صداقة عند سفارات أخرى. لدينا مشكلة في لبنان تتمثّل ليس فقط بالقابلية، إنّما بالجاذبية للتدخّلات في لبنان. كلّ صراعاتنا السياسية لم تكن يسار ويمين ومنظومة إشتراكية، إنّما قائمة على انتماءات عقائدية وسياسية وخارجية وليس أحد خارجها.

وعن جولة المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم الى بعض الدول العربية، أشار المصدر الوزاري نفسه الى أنّه أجرى اتصالات مهمّة وضرورية جدّاً، وكما ذكر هنالك مساعدات إنسانية ستأتي للبنان. أمّا العودة الى علاقات معيّنة يتطلّع لبنان الى أن تقوم لمصلحته ولمصلحة الدول الخليجية، فتتطلّب المزيد من الوقت. ولهذا لا يُمكن تحميل زيارات اللواء عبّاس أكثر مّما جرى الإعلان عنه.

وعن إمكان قيام الوزير حتّي بزيارات الى الدول الخليجية بهدف تعزيز العلاقات أكثر فأكثر، أوضح أنّه سيقوم بالزيارات في الوقت المناسب، لافتاً الى أنّ زيارته الأخيرة الى إيطاليا والفاتيكان تُعتبر خرقاً لأنّ أحداً لا يتحرّك في المرحلة الراهنة بسبب «كوفيد 19»، وأنّ خمسة مؤتمرات عربية وإسلامية ودولية قد شارك الوزير حتّي فيها «عن بُعد» من مكتبه في وزارة الخارجية. وتكمن إيجابية ذلك، بحسب رأيه، في عدم انقطاع الدول عن بعضها البعض، ولكن في الوقت نفسه، تتعرّض للخسارة لعدم إمكان عقد اللقاءات الثنائية على هامش كلّ مؤتمر للبحث في بعض الأمور التفصيلية.