«حياد لبنان» ليس مطلبًا جديدًا، بل هو مطلب قديم حمله أكثر من مسؤول سياسي وحزبي في تاريخ لبنان الحديث، لكنّ أهمّية تحريك هذا المَطلب اليوم، أنّه يأتي هذه المرّة في ظرف حسّاس جدًا، وعلى لسان أعلى مرجعيّة كنسيّة مسيحيّة، والأهمّ أنّ البعض رأى فيه إستهدافًا غير مُباشر لكامل مُؤيّدي «محور المُقاومة والمُمانعة». وجرى خلال الأيّام القليلة الماضية، تسجيل مواقف مُتضاربة بشأن موضوع الحياد، عن مرجعيّات سياسيّة وحزبيّة ودينيّة، بشكل إرتفعت معه حدّة الإنقسامات السياسيّة والتوتّرات الطائفيّة والمذهبيّة، الأمر الذي تظهّر في بعض المواقف من هنا وهناك، وخُصوصًا عبر الحملات المُتبادلة على مواقع التواصل الإجتماعي. فما هي المعلومات بشأن مطلب الحياد، وكيف يُنتظر أن يتطوّر هذا الملف، وما هي تداعياته على التموضعات والتحالفات السياسيّة؟

بحسب مصدر كنسي إنّ الحياد الذي يدعو له البطريرك الماروني مار بشاره بُطرس الراعي ليس دعوة للإنتقال من محور سياسي إلى محور سياسي آخر، وليس تموضعًا في موقع ضُدّ آخر، إنما دعوة صادقة لتجنيب لبنان وشعبه ويلات صراعات المحاور الإقليميّة والدَوليّة. وأضاف أنّ الحياد هو دعوة صادقة لتعزيز إستقلال الدولة ولعودة الهيبة لمؤسّساتها ولتعزيز قُوّة جيشها، ليخرج لبنان من تقوقعه الحالي، ولتعود علاقاته العربيّة والدَوليّة إلى سابق عهدها، لأنّ لبنان اليوم هو بأمسّ الحاجة لمُساعدة أشقّائه وأصدقائه في العالمين العربي والدَولي، ولا يجوز بالتالي الإستمرار في سياسات سبّبت له الكثير من العزلة السياسيّة والمشاكل الإقتصاديّة والماليّة وحتى العداوات! وقال المصدر نفسه إنّ الكاردينال الراعي لن يتراجع عن دعوته إلى الحياد، بل بالعكس سيُواصل جُهوده لتوضيح خلفيّاتها وأهدافها، لإثارة أيّ سوء فهم لها، وأي إعتراض لها، لأنّ مصلحة لبنان وشعبه تأتي في الطليعة، ولا تعلوها أيّ مصلحة أو غاية أخرى. وختم بالقول، إنّ الوُصول إلى الحياد هو مسار طويل، وفلسفة طويلة الأمد، تستمدّ قُوّتها من تاريخ لبنان المعروف، وتتطلّع إلى غد أفضل لكل اللبنانيّين، أي لكل فئات شعبه من دون أيّ إستثناء على الإطلاق.

في المُقابل وبحسب مصدر سياسي حزبي مَحسوب على محور «المُقاومة» إنّ لبنان لا يُمكن أن يكون حياديًا في الوقت الذي تتواصل فيه الهجمة الإقتصاديّة عليه، ومُحاولات حرمانه من حُقوقه النفطيّة والغازيّة في مياهه الإقليميّة، ومُحاولات تكريس إحتلال إسرائيل لمزارع شبعا، ومُحاولات فرض توطين اللاجئين الفلسطينيّين والنازحين السُوريّين في أراضيه، ومُحاولات تمرير «صفقة القرن» وضمّ الضفة المُحتلّة، إلخ. وأضاف أنّ لبنان لا يُمكن أن يكون حياديًا بأيّ شكل من الأشكال في الصراع مع العدوّ الإسرائيلي، ولا حياديًا عن القضيّة الفلسطيّنية، أو حياديًا عن القضايا العربيّة ضدّ الأطماع الإسرائيليّة ومُحاولات السيطرة وفرض الإذعان للإملاءات الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط والعالم. وقال المصدر نفسه، إنّ الأخطر ممّا سبق أنّ جزء من خلفيّات دعوة الحياد، يتمثّل بالإلتفاف على المُقاومة وتفريغ أسباب وُجودها، أيّ عمليًا حرمان لبنان من قُوّته الذاتيّة القادرة على الدفاع عن أراضيه وشعبه ومياهه وغازه، وعلى منع تمرير الصفقات الدَوليّة المُشبوهة على حسابه.

ومن جهة أخرى، ذكّر مصدر نيابي سابق بأنّه في 22 تشرين الأوّل من العام 1989، تمّ برعاية عربيّة ودَوليّة توقيع ما بات يُعرف بإسم «إتفاق الطائف» بهدف إنهاء الحرب اللبنانيّة، وقد صادق مجلس النوّاب اللبناني عليه في 5 تشرين الثاني، في ظلّ مُعارضة كبيرة من جانب قائد الجيش ورئيس الحكومة الإنتقاليّة آنذاك العماد ميشال عون. وأضاف أنّ الغطاء الذي أمّنه البطريرك الماروني السابق مار نصر الله بُطرس صفير للإتفاق، بهدف وقف النزف الدَموي الذي كان يُعاني منه لبنان ووقف الهجرة المسيحيّة إلى الخارج أيضًا، أعطته الشرعيّة المَطلوبة. وأدّى هذا الغطاء أيضًا إلى تقارب كبير بين الكاردينال صفير وقائد «القوات اللبنانيّة» الدُكتور سمير جعجع، بعد أن كانت العلاقات بين الطرفين غير سويّة قبل هذه المرحلة. وتابع المصدر نفسه أنّ التاريخ يُعيد نفسه اليوم على ما يبدو، حيث أنّ البطريرك الماروني الحالي مار بشاره بُطرس الراعي الذي إنتخب في 15 آذار 2011 كان في بداية ولايته محط ترحيب كبير من جانب «التيّار الوطني الحُرّ» ومن رئيسه في حينه، العماد ميشال عون، في ظلّ علاقة أقل ترحيبًا بكثير من جانب حزب «القوات» ورئيسها. أمّا اليوم، وبعد أن حمل الكاردينال الراعي ملف الحياد، مع ما يحمله من إنتقاد لسياسة السُلطة في لبنان حاليًا، فإنّ الإنتقادات خلف الكواليس لرأس الكنيسة المارونيّة من جانب «التيّار» تتصاعد بوتيرة سريعة، بالتزامن ليس فقط مع تزايد الترحيب القوّاتي به، بل مع إستعدادات «قوّاتيّة» ناشطة لمُواكبتها سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا ولتفعيلها عمليًا وميدانيًا، في تكرار لما حدث عند تبنّي بكركي لإتفاق الطائف قبل ثلاثة عُقود!

وكشف المَصدر أنّ الكاردينال الراعي سينقل هذا الملف في المُستقبل، وتحديدًا عند تجهيزه بشكل كامل، إلى الكرسي الرسولي في الفاتيكان، وسيطلب دعم بابا روما فرنسيس الثاني، للمُساعدة في إخراج لبنان من عزلته وفي توفير الدعم السريع المطلوب له. وتوقّع في الختام أن يُؤدّي تمسّك بكركي بموقفها إلى فرز سياسي جديد في لبنان، بين جهات تؤيّد الحياد بالكامل، وجهات أخرى ترفضه بالمُطلق، بحيث ستتشكّل محاور سياسيّة جديدة، بالتزامن مع وُجود جهات ثالثة مُربكة وتُحاول التمايز عبر التأييد المشروط واللعب على الكلام منعًا للإحراج!