«الـــقوات» رأس الحربــــة... والمستقبل يــفضــل بقائها بعهدة الــبــطريـــرك

محاولة التدويل والـــذهــاب لمجــلـــس الأمـــــن محكومة بالــفشــل

ليست دعوة البطريرك الماروني الى حياد لبنان مجرد موقف يطلقه في احدى عظاته التي ارتفعت وتيرة الصرخة فيها في الفترة الاخيرة نتيجة الضغوط التي تفاقمت على اللبنانيين جراء استفحال الازمة الاقتصادية والمالية وتداعياتها.

ومن الخطأ التعامل معها على انها جاءت «بنت ساعتها» في «لحظة تجلّي» احد ايام الآحاد، لكن في الوقت نفسه لا يجب المغالاة في تقويمها والمبالغة في تأثيرها على الوضع اللبناني والرهان على النتائج التي ستترتب عنها.

ومما لا شك فيه ان اعلان هذا السجال الواسع حول مفهوم الحياد متجاوزين الازمة الاقتصادية والمالية المباشرة يبعث على القلق ويثير المخاوف من ان يتحول هذا الموقف الى مادة للسعي من جديد الى تدويل الوضع اللبناني، خصوصا بعد اشارات البطريرك الراعي بالذهاب الى مجلس الامن رغم ربطه بوحدة الموقف.

واذا كانت مثل هذه التجربة في العام 2005 قد سلكت مسارها وادت الى ما ادت اليه فإن محاولة تكرارها او استنساخها محاولة فاشلة ومؤذية للبنان واللبنانيين، باعتبار ان الواقع اليوم يختلف تماما عن واقع 2005، فوقتها كان هناك وجودا للقوات العربية السورية وخرجت من لبنان اما اليوم فإن المقاومة هي جزء لا يتجزأ من لبنان وشعبه. وبالتالي فإن الحياد في مثل هذه الحال يصبح انحيازا للمحاور التي تضغط على المقاومة.

ولا بدّ ايضا من تذكير الذين يدفعون باتجاه تدويل هذا الموضوع بأن ما حصل في العام 2005 كان بعد سقوط حكومة الرئىس كرامي ومجيء حكومة السنيورة الداعمة وقتها لتدويل الازمة، اما اليوم فهناك رئىس جمهورية يمثل شريحة واسعة من المسيحيين وهناك حكومة شرعية تحظى بتمثيل الاكثرية النيابية.

وحتى الان يؤكد البطريرك الراعي عدم الاسترسال في تفسير دعوته مشددا على ان دعوته «وطنية للجميع» ولا تستهدف حزبا او فريقا معنيا لكنه يجزم بطريقة فيها اشكالية بأن الحياد هو الخلاص. وهذا التفسير او التوصيف لا يشاركه فيه قسم كبير من اللبنانيين.

وبعد ايام على هذه الدعوة يتضح اكثر فأكثر حجم تعويل جهات داخلية وخارجية على اهمية استثمارها سياسيا والدفع بها الى اهداف لا تصب في خانة الخلاص الذي ينشده البطريرك الراعي بقدر ما تؤدي الى زيادة الانقسام وتأزيم الموقف في لبنان واغراقه اكثر.

وفي قراءة اولى لما حصل بعد دعوة الراعي وحتى الان يبرز بشكل واضح ان الخصوم المسيحيين للعهد وفي مقدمهم «القوات اللبنانية» استطاعوا استثمار هذه الدعوة بطريقة منظمة ومدروسة بعد ان فشل جعجع في الاسابيع الاخيرة في حملته المباشرة على رئىس الجمهورية تحت عناوين تتعلق بالازمة الاقتصادية والمالية وبأداء الحكومة الحالية التي يعتبرها اداة في يد العهد وحزب الله.

ورغم دعوة البطريرك الماروني مؤخرا على الخروج من مسألة 14 و8 آذار فإن القوى التي سارعت الى الترحيب بموقفه لم تكن خارج سرب فريق 14 آذار لا بل ان تفاوتا واضحا يسجل بين طرف واخر داخل هذا الفريق.

فحزب القوات يعتبر نفسه رأس حربة في هذه الدعوة بينما يفضل تيار «المستقبل» ان يدعم مبادرة بكركي وابقاء القيادة لها في متابعة هذا الموقف، ربما لأنه يدرك ان حدودها معروفة سلفاً ولا لزوم للمبالغة في حمل سيف هذه المعركة.

وفي اعتقاد الاوساط المراقبة ان جهات عربية سارعت ليس الى الترحيب بدعوة الراعي للحياد، بل اوعزت لبعض المجموعات والشخصيات السياسية والاعلامية الى تحويل هذه الدعوة الى خطاب يومي، وتكثيف حملة منظمة لها توحي أو تدعم التوجه الرامي الى التضييق على حزب الله وحلفائه لخلق حالة توازن جديدة في لبنان يمكن الاستثمار عليها في التوازنات الاقليمية.

والمؤسف، كما تقول المصادر، ان بعض الادوات السياسية الصغيرة انبرت تعقد المؤتمرات الصحفية وكأنها اكتشفت الحياد اليوم، فأخذت ترفع الصوت التحريضي لاستجلاب الضغوط الخارجية، وكأن لبنان لا يتعرض لمثل هذه الضغوط منذ فترة طويلة ولا يواجه حصارا اقتصاديا وماليا منذ أشهر.

والمؤسف ان بعض الافراد في «المجموعة السياسية والاعلامية» المتشددة والتي تشكل عبئاً على 14 آذار، ذهبوا الى الحديث عن احتلال للبنان من نوع غير الاحتلال الاسرائيلي، معتبرين بطريقة أو بأخرى ان حزب الله هو شكل من اشكال الاحتلال، وكأنه ليس حزباً لبنانياً ولا يمثل شريحة كبرى من اللبنانيين.

وتقول الاوساط المراقبة ان ترك مثل هؤلاء «يأخذون راحتهم» في تفسير واستثمار دعوة بكركي للحياد يسيء اولا الى موقف البطريرك الراعي، بغض النظر عن صحة وعدم صحة هذا الموقف.

وتلاحظ هذه الاوساط ان هناك «فبركة مكشوفة» من بعض هذه القوى لتسريب وتدبيج المقالات والمعلومات عن مواقف غربية واوروبية وتحديداً فرنسية متشددة تضع على جدول اعمالها فكرة الحياد كشرط من شروط مساعدة لبنان.

ووفقاً لمصادر مطلعة فان وزير الخارجية الفرنسي الذي سيزور لبنان غداً لا يضع في مفكرة هذه الزيارة مثل هذا الموضوع كشرط لتقديم الدعم، لكنه يشدد في الدرجة الاولى على الاصلاحات ومحاربة الفساد والشفافية لعناصر مهمة تحفز الهيئات والدول المانحة على مساعدة لبنان.

وتضيف المصادر ان باريس ترغب في ان ينأى لبنان بنفسه عن سياسة المحاور، لكنها لا تقدم موقفها هذا على انه شرط لمساعدته.

حتى ان السفيرة الاميركية في حديث نشر لها امس ركزت ايضا على الاصلاحات ومحاربة الفساد ولم تتطرق صراحة الى موضوع الحياد، بحيث ظهر البعض في لبنان «ملكيا أكثر من الملك».