لماذا اصرار دولنا، ودول المحيط، على أن تبقى، وربما الى الأبد، شظايا زجاجية متناثرة؟

أحد ملوكنا كان يقول «مثلما لا بديل عن الله لا بديل عن أميركا». لا أحد يقول بالبديل لأن أميركا دخلت في كل تفاصيل حياتنا، من الشبكة العنكبوتية الى الهوت دوغ، ومن الجينز الى الروك اندرول. المشكلة أن أميركا تقتل... عشاقها!

هذا ما حمل الكاتبة الزنجية الحائزة على جائزة نوبل توني أرمســترونغ، على الـقول «ذات يوم، قد تبدو أميركا عارية، ووحيدة، وكئيبة، مثل شجرة صبّار في صحراء».

باراك أوباما قال لنا «العلة فيكم». الوالغون في ثقافة الغيب، وفي ثقافة الطائفة، وفي ثقافة القبيلة، وقد قطعنا بالسكين قدمي الزمن لكي يبقى مكانه.

كل دول المنطقة، باستثناء «اسرائيل»، تعاني من أزمات بنيوية، حتى أن رجب طيب اردوغان الذي يتمثل كل سلاطين بني عثمان، ويمتد استراتيجياً من سوريا الى العراق، ومن قطر الى ليبيا، ليس أكثر من حصان طروادة أميركي (حصان خشبي)، ولا بد أن يلقى به من احدى نوافذ القصر حالما تنتهي مهمته في بعثرة الدول، وفي بعثرة المنطقة.

كل دولنا تستنزف سياسياً، واقتصادياً. من تراه يطرب لتفــكيك ســوريا سوى «اسرائيل»، ومن تراه ينتظر سقوط كل الأطراف في اليمن سوى أميركا ؟ ومن تراه يراهن على تحول ليبيا الى اشلاء سوى الأوروبيين الذين، وقد أرهقتهم الكورونا، يرون الخلاص في... الفردوس الليبي ؟

الدول التي تواجه الولايات المتحدة أمام الحائط، والدول التي تحالف الولايات المتحدة أمام الحائط، وان بدت على شيء من الاستقرار في حضرة الأساطيل.

بعد كل تلك الصدمات، كيف لم نفكر بأن نتجاوز البداوة في كل نواحي حياتنا، وننظر استراتيجياً الى مستقبلنا الذي ينتظرنا كما لو أنه الهباء ينتظرنا ؟

دونالد ترامب هدد بازالة العروش خلال أيام، بل وخلال دقائق، اذا ما حاولت الابتعاد عن الاله الأميركي، وحتى اذا ما تلكأت في دفع الجزية لشايلوك الأميركي. ألا يعني الامتثال لتلك السياسات أن تندثر دولنا، كما حذّر تقرير البنك الدولي، وتذهب أدراج الرياح ؟ هكذ تسقط، تباعاً، تماثيل الملح...

الانكلـيزي ديزموند ستيوارت قال «لولا اتفاقية سايكس ـ بيكو لتحولت كل قبيلة، وكل مدينة، في الشرق الأدنى الى دولة». أذا بقينا هكذا في تحللنا، كدول وكمجتمعات، لا بد أن نتشتت أكثر فأكثر، وأن يأكل بعضنا البعض..

لا حل الا بمنظومة استراتيجية تضم البلدان العربية، بالاضافة الى تركيا وايران بعد أن تتخلى الدولتان عن اللوثة التاريخية واللوثة الايديولوجية، بأبعادهما العبثية. قريباً صراع ما بعد الزمن، وما بعد التكنولوجيا. نحن ما قبل الزمن وما قبل التكنولوجيا.

الفارق شاسع بين العقل العربي، وكل من العقل التركي والعقل الايراني. الايرانيون حققوا انجازات هائلة في مجال التكنولوجيا العسكرية، والنووية. الأميركيون و«الاسرائيليون» يبذلون جهوداً استخباراتية هائلة لاختراق الأحزمة الايرانية الحساسة، وقد نجحوا أكثر من مرة في تحقيق بعض الاختراقات التي تظل نتائجها محدودة على المستوى الاستراتيجي.

هذا لا يكفي اذا ما بقي الاقتصاد يتدهور أكثر فأكثر، واذا ما بقيت الحياة تضيق أكثر فأكثر. لكن الايرانيين هم، حتماً، أكثر ذكاء من الأتراك الذي وضعوا أنفسهم في قبضة الأميركيين. لتتذكر انقرة ما قاله القائد الفيتنامي الجنوبي فان دام دونغ «بآذاننا قادنا ريتشارد نيكسون الى الجحيم». الى أين يقود دونالد ترامب رجب طيب اردوغان؟

لا ريب أن باستطاعة البيت الأبيض ازاحة العروش في أي لحظة ما دامت وكالة الاستخبارات المركزية موجودة في جدران القصور، وتحت العباءات. ولكن هل بامكانها أن تهز أي عرش قرر أن يتفاعل مع ديناميات القرن، وأن يشكل مع الاقليم قوة ضاربة، سياسية، واقتصادية، وعسكرية، باتت أكثر من ضرورية لوقف الانحدار (والانتحار)؟

اذا لم يحدث ذلك، أي نهاية للشظايا الزجاجية المتناثرة على امتداد ذلك الجحيم الذي يدعى الشرق الأوسط؟!