شغل انسحاب مصرفين لبنانيين من سوق العراق في الآونة الأخيرة، الأوساط المصرفية والمالية. فكثرت الأقاويل حول مستقبل المصارف اللبنانية المتبقية الثمانية، منها ما جاءت ترجيحاتها متفائلة وأخرى متشائمة نتيجة المعلومات الخاطئة التي تمّ تداولها. الأمر الذي أثّر سلباً  على الرأي العام، نظراً لأهميّة الإستثمارات اللبنانيّة في العراق سواء في القطاع المصرفي أو القطاعات الإقتصاديّة الأخرى. وللوقوف على حقيقة الحال، ووضع الأمور في نصابها، كان لـ«الديار» هذا الحوار مع مُساعد المدير العام للتوسع الخارجي ( BBAC ) بنك بيروت والبلاد العربيّة) شوقي بدر نظراً لمعرفته العميقة بأوضاع القطاع المصرفي اللبناني في العراق ومعلوماته الدقيقة حول الإجراءات المُتخذة من قبل البنك المركزي العراقي.

عن أسباب مباشرة إنسحاب بعض البنوك مثل الإعتماد اللبناني وفرنسبنك من هذا السوق المصرفية العراقية، بالإضافة الى ما يُحكى عن رغبة مصارف أخرى بالإنسحاب قال بدر:

 لا شك أن للمصارف اللبنانيّة حضوراً فاعلاً في العراق، سواء من حيث حجم الودائع الذي فاق 1,3 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2019، أو من حيث مُساهمتها الفعّالة في عمليّات تمويل التجارة الخارجيّة كفتح الإعتمادات المُستنديّة وإصدار الكفالات الخارجيّة و إجراء التحاويل والتزامها بشكل دقيق جداً بمتطلّبات قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال أجهزتها الرقابيّة و كوادرها البشريّة التي تتمتّع بخبرة كبيرة في العمل المصرفي وأنظمتها المعلوماتيّة المتطوّرة في هذا المجال.

بعض هذه المصارف دخل بقوّة الى السوق العراقي، لقناعته بتوفّر الفرص المُلائمة للإستثمار والبعض الآخر تريّث ودخل بتحفّظ لجسّ نبض السوق وتلمّس الفرص الإستثماريّة المُتاحة، وقد جاء قرار الإنسحاب من البعض بعدما رأى أن الظروف الحاليّة لا تسمح له الإستمرار في العمل وتلبية المُتطلبات الجديدة للبنك المركزي العراقي علماً أنه يستطيع تلبيتها لو كان قراره الإستمرار في العمل داخل العراق. أما ما يُحكى عن رغبة مصارف لبنانيّة أخرى الإنسحاب من العراق، فهذا الأمر يعود لتقدير إدارة كل مصرف

واستراتيجيّتها الخارجيّة. بالنسبة الى «BBAC»، فنحن باقون في العراق ومستمرّون بتقديم الخدمات المصرفيّة كافة لزبائننا.

 متطلبات البنك العراقي

وعن مُتطلبات البنك المركزي العراقي الجديدة، وهل كانت العامل الأساسي لدفع بعض المصارف اللبنانيّة للإنسحاب من العراق قال بدر:

بتاريخ 11/11/2019 و بموجب الكتاب رقم 9/2/449 أصدر البنك المركزي العراقي تعليمات جديدة معطوفة على تعليمات سابقة تتعلّق بأرصدة المصارف العراقيّة بما فيها المصارف الأجنبيّة في الخارج سمح بموجبها بإيداع نسبة 30% فقط من مجموع ودائع المصرف بالعملة الأجنبيّة خارج العراق أو 20% من رأس ماله و إحتياطاته السليمة أيهما أعلى، والإبقاء على نسبة 70% من الودائع أو 80% من رأس المال داخل العراق، على أن تكون قيمة الكفالات الخارجيّة والإعتمادات المُستنديّة المُعززة خارج النسب أعلاه وقد عُدّلت الفقرة الأخيرة لاحقاً لتُصبح 50% من قيمة الكفالات الخارجيّة و الإعتمادات المُستنديّة (المُعززة و غير المُعززة)، كما يستثني أيضاً الإستثمار في سندات حكومة العراق الدوليّة المُتداولة بالدولار الأميركي من سقوف الأرصدة الخارجيّة، وقد حدّدت مهلة للإلتزام بهذه التعليمات لا تتعدّى 31/12/2019. بشكل عام تمّ الإلتزام بهذه التعليمات وضمن المهلة المحدّدة.

مع تخفيض التصنيف الإئتماني السيادي للبنان الى درجة SD، أصدر البنك المركزي العراقي بتاريخ 21/5/2020 تعليمات جديدة موجّهة للمصارف اللبنانيّة تحديداً حملت الرقم 9/2/159 طلب بموجبها تحويل قيمة التجاوز عن نسبة 30% من الودائع أو 20% من رأس المال للأرصدة الخارجيّة الى داخل العراق فوراً و تحويل كامل قيمة أرصدة الحسابات الخارجيّة الى مصارف مراسلة لا يقلّ تصنيفها الإئتماني عن درجة B من خلال تخصيص حساب متفرّع من حسابات المصرف الأم، يكون مخصّصاً لفروع العراق ما يعني عدم السماح بإيداع أي مبلغ في المصرف الأم في لبنان نظراً لانخفاض التصنيف الإئتماني السيادي عن درجة B.  وقد تضمّنت التعليمات أيضاً ضرورة رسملة الأرباح المُحققة لفروع المصارف اللبنانيّة في العراق لتعزيز رؤوس أموالها التشغيليّة البالغة 50 مليون دولار أميركي لكل مصرف وعدم السماح بتحويلها الى المصرف الأم واعتماد رأس مال الفرع العامل في العراق في تقييم المؤشرات الماليّة الأساسيّة كالسيولة و كفاية رأس المال والإئتمان الى رأس المال والتركزات الإئتمانيّة وليس رأس مال المؤسسة الأم كما كان معمولاً به سابقاً. بشكل عام لم تواجه المصارف اللبنانيّة أيّة صعوبات في تطبيق هذه التعليمات رغم أنها ستحدّ بجانب منها من نشاطها في منح الإئتمان وعلى سبيل المثال اذا كان رأس مال أحد المصارف يبلغ 600 مليون دولار أميركي يكون بإمكانه إقراض الزبون الواحد أو المجموعة المترابطة 60 مليون دولار أميركي كحدّ أقصى تُشكل نسبة 10% من رأسماله استناداً لتعليمات البنك المركزي العراقي، و أصبح الحد الأقصى المسموح بإقراضه الآن و بعد التعليمات الأخيرة 5 ملايين دولار أميركي يشكل نسبة 10% من رأس مال الفرع التشغيلي في العراق والبالغ 50 مليون دولار أميركي.

تبقى الإشارة الى قرار مهمّ يتعلق بحجم ميزانيّة فروع المصارف الأجنبيّة العاملة في العراق، بحيث يجب أن توازي بالحدّ الأدنى قيمة رأس مال المصرف العراقي البالغة 250 مليار دينار عراقي أي ما يُعادل 210 ملايين دولار أميركي خلال مدّة أقصاها نهاية العام 2021 وربما كان هذا الإجراء دافعاً لبعض المصارف اللبنانيّة للتفكير بالإنسحاب من العراق إضافةً للأسباب التي ذكرتها في بداية الحديث مع قناعتي أن البنك المركزي العراقي سيتعامل بمرونة مع هذا المطلب من خلال تمديد المهلة الزمنيّة الى ما بعد نهاية 2021 للمصارف الراغبة في الإستمرار والتي تُظهر جديّة بزيادة حجم أعمالها، لأن هدف البنك المركزي العراقي هو انخراط المصارف اللبنانيّة في السوق العراقي واقتناص الفرص الإستثماريّة المُتاحة و ليس تضييق الخناق على هذه المصارف لدفعها الى مغادرة العراق.  

وحول استطاعة الـ «BBAC» تأمين متطلبات البنك المركزي العراقي للإستمرار في العراق قال بدر:

بالتأكيد نحن مستمرّون بالعمل في العراق وبإمكاننا تلبية جميع المُتطلّبات، وقد سبق لنا والتزمنا بالإجراءات المطلوبة من قبل البنك المركزي العراقي، حتى حجم الميزانيّة المطلوب تأمينه في نهاية العام 2021 مؤمّن في الوقت الحاضر وبأكثر من ضعف المبلغ المطلوب لاسيّما وأن مصرفنا يحتلّ المركز الأوّل بين المصارف اللبنانيّة العاملة في العراق من حيث مجموع الموجودات وقيمة الأرباح الصافية. ضمن هذا السياق نشير الى أننا وقّعنا مع أحّد المصارف اللبنانيّة الراغبة بالإنسحاب من العراق مذكرة تعاون بهدف تسهيل هذه العملية ويجري البحث مع مصارف لبنانيّة أخرى في هذا الاطار.

وشكل دخول «BBAC » عام 2009 إلى السوق العراقية نقلة نوعية أعطت نتائج مثمرة ونحن مُستمرّون في تطوير أعمالنا وخططتنا التوسعيّة في العراق حيث نتوجّه إلى افتتاح فرع جديد في أربيل إضافةً للفرع الحالي ولفرعينا في كل من بغداد والسليمانية فضلاً عن إنتشار شبكة واسعة من أجهزة الصراف الآلي تضم 14 جهازاً تلبية لحاجات السوق. كما نتطلع نحو التوسّع في محافظات عراقيّة أخرى في المستقبل نظراً إلى وجود مجالات عمل مختلفة وإمكانات استثمارية واعدة.