ناريمان شلالا



للوهلة الأولى، أن تطال الأزمة الاقتصادية صرحًا ثقافيًّا عريقًا كالجامعة الأميركية في بيروت، أمر يزيد في نفس اللبنانيين الخوف والذعر مما وصلت إليه الحال في لبنان، ويرفع عدد الأشخاص الذين باتوا بلا مداخيل.

كانت رسالة رئيس الجامعة فضلو خوري، والتي أُرسلت إلى الأساتذة والطلاب والأهالي، وقد جاء فيها «أنّ الجامعة تواجه أكبر أزمة منذ تأسيسها في العام 1860»، المقدمة لقرار صرف 1200 موظّف من العاملين في المستشفى والمجمع الطبي. صحيح أنّ نقابة موظفي الجامعة الأميركية، سارعت إلى التفاوض مع الإدارة بعد صدور قرار الصرف، ونجحت في تخفيض عدد الموظفين المصروفين من 1200 إلى 850 موظفًا، ولكن هذا لا يُلغي ضرورة إعادة النظر بمواضيع عديدة في هذا الإطار.

كانت قد طلبت إدارة الجامعة من رؤساء الأقسام، تزويدها بأسماء الموظفين الذين تنطبق عليهم ثلاثة معايير وهي:

- من يبلغ من العمر أكثر من ستّين عامًا.

- من لا يؤدّي عمله ويقوم بواجباته المهنية على أكمل وجه.

- من يتمادى في إجازاته المرضية بموجب تقارير طبية مرضية.

على هذا الأساس، قام رؤساء الأقسام بتقديم لائحة بأسماء الأشخاص إلى نقابة موظفي الجامعة. غير أنّ النقابة، والتي تضم كافة الأحزاب اللبنانية، قامت بجردتها الخاصة على اللوائح، وأجرت تعديلات تضمن التوازن الطائفي في حرم الجامعة، وذلك بحسب حديث أجريناه مع أحد المصروفين. هناك حوالى الـ 250 موظفًا هم فعلاً من كبار السنّ، وهناك نسبة 25% من الـ 600 الباقين لا ينطبق عليهم معيارًا واحدًا من معايير الصرف، بل سقطوا ضحية الطائفية المتجذّرة في أروقة مؤسساتنا اللبنانية كافة.

يؤكّد الموظف المصروف، أنّه لطالما كان للواسطة والسياسة والطائفية أثراً كبيراً، مستعرضًا قضيّة تعيين أحد عمداء لكلية في الجامعة الأميركية في بيروت ، في حين أنّ هذا المنصب هو أساسًا للأرمن الكاثوليك الإنجيليين لكونهم من مؤسسي الجامعة. وبعد أن استغل العميد الجديد منصبه، ووظف أكثر من 300 شخصاً، طُلب منه الاستقالة. أعلن استقالته، ولكنّه عُوّض بمنصب «مستشار»، ولا زال حتّى الساعة يتقاضى راتبه الذي لا يقل عن الـ 57 ألف دولار شهريًّا.

يسأل أحد المصروفين، عن أي أزمة اقتصادية يتحدّثون؟ فبغضّ النظر عن الهبات التي ترد إلى الجامعة بالعملة الصعبة، وبغضّ النظر عن أنّ الجامعة صاحبة الفاتورة الطبية الأغلى في لبنان، كان من الأجدى على الإدارة، أن تُعيد جدولة رواتب بعض المدراء والأطباء والتي تتخطّى الـ 150  ألف دولار شهريًّا، عوضًا عن صرف صغار الموظفين الذين لا يتخطّى راتبهم المليوني ليرة لبنانية. ويضيف في حديثه، إن كانت الجامعة تمر حقيقةً بأزمة مالية، فكيف لها نظرًا لغلاء المعيشة أن تَعِد الموظفين بزودة على معاشاتهم تبلغ 400 ألف ليرة لبنانية، وكيف لها أن تفتح باب التوظيف في بعض المجالات؟

يتحسّر من أجرينا معه المقابلة، على 19 عامًا عمل خلالها بضمير حيّ في الجامعة الأميركية في بيروت، حصل خلالها على 7 أيّام فقط كإجازة مرضية، وكان تقييم أدائه المهني طيلة السنوات الماضية أكثر من ممتاز، وهو قد ورث نزاهة الأخلاق المهنيّة من والده، الذي كان أستاذًا جامعيًّا في الجامعة الأميركية، لأكثر من 45 عامًا. ويأمّل ألا يكون هناك جولة صرف ثانية، تودي بمصير المزيد من الموظفين إلى المجهول. ويختم حديثه مترقبًا لتعويضات الصرف، التي وعدت بها الجامعة آخر الشهر الحالي، علمًا أنّ التعويضات القانونية لن تشمل الأدوية والمعاينات الطبية وبعض الخدمات الأخرى...