أن يقول الصحافي التركي البارز جنكيز تشاندار «لو جال سيغمند فرويد، بحذائه، في رأس رجب طيب اردوغان لتعثّر ووقع...»!

لا وجود لأي سياسي في الدنيا يستعيد، هكذا، كل الطرقات الوعرة في التاريخ. تصوروا أنه يجد في جيش عبد الفتاح السيسي جيش محمد علي باشا الذي دخل الى قونية بعدما هزم الجيش العثماني وأسر قائده الصدر الأعظم رشيد محمد باشا في 21 كانون الأول 1832 ، وكاد أن يعلق رأس السلطان محمود الثاني على بوابة قصر يلدز لو لم تهب الأساطيل الأوروبية لنجدته.

مصر ممنوعة من أن تكون قوة مركزية في المنطقة. انكفاء مريع عن كل التطورات الخطيرة في المنطقة، ورهان كلي على الولايات المتحدة، كما لو أن الأميركيين لم يعطوا الضوء الأخضر للرئيس التركي لتعطيل أي دور لمصر في ليبيا ولتهديد أمنها الاستراتيجي.

اردوغان أيضاً في قطر بحجة حمايتها. السكين في الظهر السعودي , ودائماً بالضوء الأخضر اياه. كلنا العربات الهرمة في خدمة «الاله الأميركي».

لماذا التباطؤ ان في مقاربة الملف الليبي المشتعل، أو في التعاطي مع موضوع سد النهضة الأثيوبي الذي لا شك أنه يضع مصر أمام مأزق وجودي؟

السياسة المصرية في غيبوبة. الديبلوماسية المصرية في غيبوبة. لكأن مصر في غيبوبة، في حين أن القوى الاقليمية الأخرى تستثير التاريخ، وتستثير الايديولوجيا، من أجل الامساك بالمفاصل الجيوسياسية الأكثر فاعلية على امتداد الشرق الأوسط.

في كتاب «فلسفة الثورة» لجمال عبد الناصر، اضاءة مدوية لدور مصر. الدور الذي هو النيل الآخر، كما وصفه محمد حسنين هيكل...

اتصلت بديبلوماسي صديق في القاهرة وسألته «أين مصر الآن؟». قال «لا نريد أن نربح الخارج ونخسر الداخل. المشكلات التي تواجهنا هائلة، ولا خيار أمامنا سوى أن نحصر اهتماماتنا في الانماء على المستويات كافة ليس فقط لكي لا نضيع في المتاهة، ولطالما غرز العرب خناجرهم في ظهورنا، وانما حتى لا نفاجأ ذات يوم، بالمجاعة تدق على بابنا».

وقال «أعتقد أنك تشاطرني الرأي في أن خطر العرب على العرب أشد فتكاً من أي خطر آخر، بما فيه الخطر «الاسرائيلي»، أو الخطر التركي، أو الخطر الايراني، ناهيك عن الخطر الأميركي».

الآن، شعرت القيادة ألاّ مصر من دون دور. اردوغان ذهب الى ليبيا وفي رأسه أكثر من هاجس جيوسياسي، وجيوستراتيجي. أن يكون سلطان الضفة الاسلامية من البحر الأبيض المتوسط. ليبيا لا تطفو فقط فوق أوقيانوس من النفط الذي تحتاجه «تركيا العظمى». موقعها الجغرافي شديد الحساسية بين مصر كدولة محورية والجزائر كدولة محورية أيضاً.

خيال اردوغان خيال وحيد القرن. أكثر من مرة قلنا «الراقص بين خيوط العنكبوت». الكل يدرك مدى البعد الدونكيشوتي في شخصيته. منذ أشهر قليلة كتبت «اللوموند» عن الرجل المصاب بالبارانويا. قدم في البيت الأبيض , وقدم أخرى في الكرملين. العالق في الهواء قد يكون مصيره مثل مصير السلطان عبد الحميد الثاني. منفياً في سالونيك، ثم منفياً في قصر بكلربكي في اسطنبول.

مصر رفعت صوتها. الجيش الى ليبيا (ولتسمع اثيوبيا أيضاً). الدبابات التركية التي كانت في طريقها الى نقاط حساسة قرب الحدود مع مصر توقفت. حقان فيدان، رئيس الاستخبارات التركية، كان قد أعدّ العدة لأن يفعل في مصر ما فعله في سوريا. تصدير الارهابيين الى الخاصرة المصرية , ومن ثم الى الرأس المصري.

لا نتصور أن دونالد ترامب الذي يتقن اللعب بدماء الآخرين، وبأموال الآخرين، يمكن أن يستشعر طبيعة التداعيات الكارثية لحرب رهيبة بين حليفين رئيسيين في الشرق الأوسط. نجوم «الدولة العميقة» حذروه وطلبوا منه الاتصال بالسيسي وباردوغان كي لا تتهاوى رقعة الشطرنج لمصلحة روسيا وحلفائها.

لا فارق هنا بين حجارة الشطرنج التي ترتدي العباءات القشيبة وتلك التي تختال بالجلابيب...