تميزت جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت امس بانها كانت مفصلية لان موضوع التدقيق الجنائي كونه موضوعاً اساسياً في الاصلاح وله نتائج على المستوى الداخلي والخارجي. في الداخل، سيكشف عن حالات الفساد في مفاصل الدولة اما للخارج فهو اشارة ايجابية تعزز الشفافية ويساعد في التفاوض مع صندوق النقد الدولي ولكن تبقى العبرة في التنفيذ اضافة الى المسار الذي ستسلكه الشركة الجديدة «الفاريس مارسال». ويذكر ان حزب الله وحركة امل تحفظا عن وجود مدراء وجهات  يهودية واسرائيلية في الشركة ولكن اختاروا الورقة البيضاء لعدم الاعتراض على التدقيق المالي. فهل هذه الخطوة ستشكل نقطة تحول في اعتماد  الحكومة نهجاً سريعاً اكثر من السابق في تنفيذ الاصلاحات الباقية؟

والملفت أن الرئيس عون دعا الى إجراء تدقيق مالي لكل الادارات كما اعرب تكتل لبنان القوي عن ارتياحه لقرار الحكومة التعاقد مع احدى الشركات للتدقيق المالي المحاسبي ودعا لضرورة إقرار قانون كشف الحسابات والممتلكات لأهميته في مكافحة الفساد.

في السياق ذاته، حذرت اوساط ديبلوماسية من ان ينحرف التدقيق المالي في حسابات مصرف لبنان عن مساره الصحيح ليتحول الى وسيلة للكيدية السياسية وتصفية الحسابات بين حاكم مصرف لبنان وجهات وزارية وحزبية متنافرة مع الحاكم.

وخلال الجلسة، علمت الديار ان الرئيس دياب تحدث عن عدم نجاح سياسة الدعم للمواد الغذائية بما انها لم تحد من الاسعار ولم تحافظ على القدرة الشرائية للمواطن لا بل تراجعت هذه القدرة. وعليه، تعهدت الحكومة بالبحث عن حلول اخرى تحقق الهدف المنشود وتذهب الى المشكلة الاساسية وهي وقف التدهور في سعر الصرف وارتفاع الدولار وهنا قالت اوساط وزارية للديار بان من بين الحلول المطروحة هي زيادة الرواتب او اعتماد وسائل اخرى لضبط التضخم.

ولكن التجربة مع هذه الحكومة لم تدل حتى هذه اللحظة الى انها قادرة على تحويل الاقوال الى افعال، ذلك ان الهيئة الناظمة للكهرباء التي هي مطلب اساسي من صندوق النقد الدولي كما هو مطلب فرنسي لم يتم تعيينها حتى اليوم وهي من الاصلاحات الضرورية ولكن عبثا لم يلق هذا المطلب آذاناً صاغية من الحكومة والاكثرية الحاكمة.

 لودريان: الاصلاحات أولاً وآخراً 

في غضون ذلك، يصل اليوم وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان الى لبنان وقد علمت الديار ان الوزير لودريان سيوجه كلاماً قاسياً للمسؤولين اللبنانيين خاصة حول عدم اقدام الحكومة ووزارة الطاقة على تعيين هيئة ناظمة لمؤسسة الكهرباء اضافة الى ان فرنسا تترك هامشا لمساعدة لبنان عبر فصل حزب الله وسلاحه عن الازمة المالية خلافا للتوجه الاميركي. وايضا، هدف زيارة وزير الخارجية الفرنسي القول بوضوح وصراحة تامة ان المفتاح الذي سيفتح باب المساعدات المالية للدولة اللبنانية هي الاصلاحات الحقيقية.

وفي النطاق ذاته، قالت اوساط ديبلوماسية ان اداء هذه الحكومة غريب فهي التي بادرت الى المطالبة  بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي وعلى هذا الاساس انطلق مسار التفاوض وطالب صندوق النقد الحكومة باجراءات اصلاحية. ولكن  عندما اصبحت المفاوضات جدية تراجعت حكومة دياب خاصة بعدما ربط الصندوق تقديم المساعدات المالية بتنفيذ الاصلاحات. وهذا الاداء الحكومي يدل على شيء واحد هو ان الحكومة اختارت اللاقرار اضافة الى المناورة والتحايل والتكابر على الوقائع بدلا من اداء حكومي جدي وثابت يعتمد على خارطة طريق لانقاذ لبنان من ازمته وفقا للاوساط الديبلوماسية. والامر المضحك المبكي ان حكومة حسان دياب باقية ولكنها باتت حكومة تصريف اعمال لان عامل الجرأة ينقصها والتردد هيمن على قراراتها واعطى انطباعا سيئا لدى السفراء العرب والاوروبيين.

 ما المطلوب من سلامة؟

عندما يتم حجز أموال وأملاك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بشكوى من خمسة محامين لدى القاضي المنفرد الجزائي فيصل مكي، ثم القرار بالتدقيق الجنائي في مصرف لبنان، فذلك يعني أن المطلوب تطويق حاكم مصرف لبنان وإجباره على الإستقالة وتعيين بديل له من قبل السلطة. إن سلامة لم يخضع للإبتزاز ولم يقبل بسحب الدولارات من مصرف لبنان للخارج من أجل المحافظة عليها واستعمالها عندما يحين الوقت للنهوض بلبنان. ثم أن سلامة حافظ على مصرف لبنان مؤسسة مستقلة وفق قوانينها، وطبعاً القوانين تقول بتدخل الحكومة بعمله ضمن حدود معينة، وهذا ما دفع أهل السلطة والحكومة والجهات المتضررة من عدم قدرتها على سحب الدولارات من لبنان إلى الخارج إلى وضع خطة أخطرها حجز أملاك وأموال سلامة.

هذه وقرر سلامة الاعتراض وفق القانون على حجز أمواله وأملاكه ضمن المهلة القانونية وهي خمس أيام، في حين أن رؤساء حكومات وجمهورية ووزراء ونواب حققوا ثروات غير مشروعة وهي ظاهرة ومعلنة ولم يتم الطلب بالحجز على أموالهم وأملاكهم ولا التدقيق الجنائي في أصول ثرواتهم كما يحصل ظلماً ضد الحاكم رياض سلامة.

 البطريرك الراعي: الحياد الايجابي  ضمن التوافق الداخلي 

بموازاة ذلك، لا يزال البطريرك بشارة الراعي مصمماً على طرحه لفكرة الحياد مشددا ان ما يطالب به هو «حياد ايجابي» ضمن التوافق الداخلي والذي يؤدي الى ترتيب العلاقات اللبنانية مع البلدان العربية. وعلى سبيل المثال، في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب اختار الاخير الحياد الايجابي فعمل على الاتفاق مع  الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر دون ان يجعل لبنان يدفع ثمن الدخول في المحاور في حقبة سياسية دقيقة جدا ويذكر ان عهد الرئيس شهاب كان افضل عهد في تاريخ لبنان.

من جهة اخرى، ترى اوساط سياسية ان لبنان لم يرد الانخراط في المحاور ولكن لعنة الجغرافيا والتطورات التي تعصف بالمنطقة جعلته محكوماً بالظروف التي تحيطه من كل حدب وصوب؟ وتضيف هذه الاوساط ان بكركي تطالب بالحياد لان ميزان القوى ليس لصالحها او الخط التي تدعمه ولذلك لو كانت بكركي والاحزاب التي أيدتها تملك من نفوذ واسع لما دعت الى حياد لبنان. من هنا بما ان ميزان القوى يميل الى طرف اخر في المعادلة اللبنانية، رفع البطريرك الراعي الصوت عاليا متمسكا بالحياد كحل وسط في الداخل اللبناني حيث لا يجب ان يكون هناك غالب ومغلوب اذا كانت هناك نية حقيقية في بناء دولة سليمة وفي تعايش مشترك وفقا لاوساط مقربة من بكركي.

من جهتها، شددت المصادر القواتية على ثلاث نقاط اساسية لاهمية الحياد. النقطة الاولى متعلقة بانطلاقة الجمهورية الاولى على صيغة 1943 وكانت على قاعدة لا شرق ولا غرب ولبنان لم يتمكن من ان ينطلق الا على قاعدة الحياد وهذا هو الركن الاساسي الذي شكل الضمانة للجسم التعددي في لبنان وعندما سقط الحياد سقط الاستقرار منذ العام 1969. وتابعت انه يجب اعادة احياء مفهوم الحياد في لبنان لان التجارب تؤكد انه منذ العام 1969 الى هذا التاريخ يعيش لبنان بتخبط دائم واستقرار هش لانه تخلى عن الحياد. اما النقطة الثانية، لفتت المصادر الى ان ميزان القوى يمكن ان يتغير ولا شيء ثابتاً في هذا المجال فيمكن ان ينام طرف على ميزان قوى معين ويصحى على ميزان قوى اخر وهذا يعني اننا سنبقى في حروب مستمرة الى ابد الابدين وهذا امر غير مقبول لانه لا يوجد في العالم ميزان قوى ثابت نتيجة المتحولات الداخلية والخارجية. ولذلك على كل الاطراف اللبنانية التمسك بالدستور واحترامه.

والنقطة الثالثة، اعتبرت المصادر القواتية ان الجغرافيا لا تتحكم بمسار لبنان بل الشعب اللبناني هو من يجب ان يقرر مصيره ووضعيته وارادته من هنا عندما نجحت القيادات السياسية بين 1943 و1969 بفرض الحياد كانت المنطقة ايضا بحالة صعبة وكانت «اسرائيل» موجودة ومع صعود جمال عبد الناصر تم ترتيب الامور في لبنان عام 1959 كما حصلت حرب 1973 وحروب اخرى ولذلك المشكلة ليست خارجية بل داخلية بتأثر اطراف لبنانية داخلية بالخارج.

 الهجرة هي محط كلام كل لبناني 

وعلى صعيد الظروف المعيشية والاقتصادية والسياسية،  فهي في تراجع متواصل حيث ان النظام السياسي متصدع والغضب والتوتر يهيمنان على الشارع في الاونة الاخيرة بسبب الجوع والقهر والعتمة المتقطعة والترقب الحاصل  لقرار المحكمة الدولية في 7 آب الذي يثير قلق اطراف سياسية وشعبية من تداعياته. اضف الى ذلك، يبرز استحقاق قريب وهو اعادة التجديد لقوات اليونيفيل في جنوب لبنان في وقت تتراخى الدولة في تحصين الداخل اللبناني امام كل المخاطر التي تلف البلاد من كل حدب وصوب.

 وفي ظل  هذه الاجواء يشعر اللبناني بالاختناق فلا حلول قدمتها الحكومة او تقدمها  للتخفيف من ضغط الازمة المالية على الشعب لا بل تتكاثر المصائب على المواطن اللبناني المقهور يوميا في ظل سلطة تضرب بعرض الحائط كل المطالب الاصلاحية والانقاذية الدولية والشعبية.

 خبير دستوري: آلية التعيينات  في البرلمان مخالفة للدستور 

الى ذلك، قال خبير دستوري للديار رفض الكشف عن اسمه ان اقرار مجلس النواب اي السلطة التشريعية قانون لالية التعيينات يعد مخالفة فاضحة للدستور. وعلل السبب ان السلطة التشريعية لديها صلاحية التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية اما  الدستور فلا يعطيها صلاحية وضع آلية للتعيينات. وقال الخبير الدستوري انه اذا كان هناك اطراف سياسية تريد الابتعاد عن المحاصصة والزبائنية فيكون ذلك عبر اصلاحات تتطابق مع الدستور ويكمن ذلك عبر احياء دور مجلس الخدمة المدنية وضمان استقلاليته.

 القوات اللبنانية: قريبا سيكون لنا تحرك لجعل آلية التعيينات قيد التنفيذ

من جهة اخرى، وعن قانون آلية التعيينات، اشارت المصادر القواتية الى ان المجلس الدستوري لم يبطل هذا القانون حتى الان وليس صحيحا ان هذه آلية مخالفة للدستور. ولفتت الى ان قانون هذه الالية اقر في مجلس النواب وصوتت له معظم الكتل النيابية واذا كان كل هؤلاء النواب غير ملمين بالتشريعات وبالقانون فعلى لبنان السلام. وكشفت المصادر القواتية للديار بان القوات اللبنانية سيكون لها تحرك قريب لاننا لن نسلم للامر الواقع وسنناضل لوضع هذه الالية قيد التنفيذ لاننا ابناء مؤسسات ونريد بناء دولة حقيقية.

وعلى صعيد اخر، اكدت القوات اللبنانية انها كانت في طليعة القوى السياسية التي اقترحت انشاء صندوق سيادي أو مؤسسة سيادية يتم وضع اصول الدولة اللبنانية ليصار الى استدراج عروض ضمن مواصفات محددة تقدم على اساسها الشركات العالمية عروضها من اجل الاتفاق على اي شركة تدير هذه المؤسسات. ذلك ان هذه المؤسسات التي ستكون ضمن صندوق سيادي يفترض ادارتها بشركة عالمية مشهود لها وليس ادارتها من خلال اطراف سياسيين لبنانيين لان الهدف من هذا الطرح تحويل هذه المؤسسات من مؤسسات فاشلة الى منتجة  كما تحويل مؤسسات منتجة بالحد الادنى الى حد اقصى. وعليه، ترى القوات اللبنانية ان الهدف من كل هذا الطرح هو زيادة الربحية للدولة اللبنانية لان المشكلة الاساسية هي ان الادارة المحلية تدخل بالمحاصصة والسمسرات والتوظيفات العشوائية الامر الذي يؤدي الى خسائر فادحة بنهاية المطاف. فاذا تم استثمار اصول الدول ضمن صندوق سيادي تديره اطراف لبنانية محلية فنكون انتقلنا من كارثة الى كارثة اعظم ولذلك يجب رفع يد هذه القوى المتحكمة بالمؤسسات لاعتباراتها الزبائنية ووضعها بيد شركة عالمية لادارة صندوق سيادي.

وحول قرب صدور قرار المحكمة الخاصة بلبنان بشأن قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اعتبرت المصادر القواتية انه استحقاق كبير ومنتظر لان المحكمة تمثل مسار العدالة وكشف الحقيقة عن الطرف الذي نفذ اغتيال الحريري وباقي الاغتيالات والهدف الاخر ردع الجريمة السياسية لان اسوأ شيء هو باسكات الخصم عبر التصفية الجسدية. وتابعت هذه المصادر بانها تستبعد بان تذهب الامور باتجاه الفتنة في لبنان بل تظهير الشكوك الموجودة لدى الاطراف المعنية باستشهاد رفيق الحريري بمن هي الجهة التي قامت بهذا الاغتيال. اما الاهم هو متابعة هذا المسار النضالي على مستوى 14 آذار، وختمت المصادر «لو أن المحكمة كانت بايدي الدولة اللبنانية لكانت قضية الشهيد الحريري ذهبت ادراج الرياح».

 الخبير الاقتصادي نادر: كفى هدرا للوقت... نفذوا الاصلاحات وانقذوا لبنان

من جهته، وفي ظل كلام عن توجه الدولة الى استثمار اصول الدولة لا بيعها، قال الخبير الاقتصادي سامي نادر للديار انه اذا كان استثمار اصول الدولة من اجل التعويض عن الاصلاحات او لشراء الوقت او لجلب بضعة دولارات فهذا لا يجدي نفعا بل يسرع الانهيار ويقضي الامل على اعادة وقوف لبنان على قدميه. واوضح نادر ان اصول الدولة هي  تشكل بمعنى اخر ودائع الناس جميعها سواء التي تملك وديعة في المصارف ام لا ولذلك لا يمكن التلاعب باصول الدولة بطريقة عشوائية. وعلى سبيل المثال، اعتبر الخبير الاقتصادي ان ذلك يمكن ان يحدث اشكالية في لبنان على غرار ما حصل في الولايات المتحدة عام 2008 في خضم الازمة المالية  عندما طرحت الدولة استثمار اصولها فارتفعت اصوات معارضة لهذا التوجه مستندين على قاعدة ان هذا الاستثمار يعرض الشعب الاميركي باكمله للمخاطر وهذا امر غير عادل.

ودعا نادر الى ضرورة وجود خطة كاملة متكاملة متسائلا ان الحكومة والاكثرية الحاكمة تعاني من ازمة ثقة وبالتالي ماذا سيفعلون لانقاذ لبنان؟ وتابع ان هناك خبرات غير متوفرة في لبنان لان الازمة تطلب مهارات عالية نظرا لتشعب الازمة المالية.

ورأى الخبير الاقتصادي ان الدولة عليها جلب المال لدفع المستحقات للمصارف مشيرا الى ان الشراكة بين القطاع العام والخاص ستكون خطوة ايجابية وانعكاسها على الاقتصاد ايجابي ايضا.

وعن شركة لازار التي تعود مجددا لمراجعة الخطة الاصلاحية، اعتبر نادر انها هذه المرة ستعمل على توحيد الارقام وتقريب وجهات النظر بين المصارف ومصرف لبنان من جهة والحكومة من جهة اخرى.