يحل وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان «ضيفا «ثقيلا» على الواقع اللبناني المأزوم، واذا كان حال التخبط الداخلي يسير على «حبل مشدود» والاوضاع تزادد سوءا يوما بعد يوم في ظل «المعمعة» السياسية، والاقتصادية، والصحية، بالتزامن مع توترات اقليمية ودولية، فإن ملف التوتر المستجد على الحدود الجنوبية سيحضر في محادثات رئيس الديبلوماسية الفرنسية الذي ينقل رسائل «اسرائيلية» الى بيروت...؟

وفي تعبير واضح عن «السخط»، تقول اوساط سياسية بارزة، من خارج دائرة المعارضة، ان تفشي «كورونا» وصل الى حدود «العجز» عن وقفه بعدما بات تتبع الحالات المتزايدة شبه مستحيل، والبلاد مقبلة على «فوضى» صحية اذا ما خرجت الامور عن السيطرة وتأخرت الحكومة في اتخاذ الاجراءات الحازمة التي لا تزال حتى الان قاصرة عن وقف الموجة الجديدة..اقتصاديا، لا يزال الجدل قائما حول «خطة التعافي» ولا جواب حاسم حول مدى تمسك الحكومة بخطتها، في ظل عمليات تجاذب كبيرة بين «حزب المصارف» الموجود داخل الحكومة وفي مجلس النواب، وبين قلة ما تزال تتمسك بالخطة الحكومية، وعملية تضييع الوقت مستمرة بالنقاش «البيزنطي» حول الحياد، في وقت تغيب فيه الكهرباء، ويتبخر المازوت، وتتوقف محطات الوقود عن بيع البنزين دون اسباب موجبة، فيما لا يملك احد اجوبة اقتصادية عن اسباب موجبة تفسر وجود اسواق متعددة لصرف الدولار، فيما «روائح» الفساد بدأت تفوح من السلة الغذائية المدعومة...؟

ولا يتوقف «التخبط» عند هذا الحد، فبعد السقوط المدوي في ملف «سلعاتا»، وتعيينات المحاصصة، جاء تمرير مجلس الوزراء التعاقد مع شركة جديدة للتدقيق المالي ليضيف الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية ادارة الملفات في مجلس الوزراء الذي خضع لضغط رئيس الجمهورية ميشال عون الذي رغب بإنجاز الامر «عشية» وصول رئيس الديبلوماسية الفرنسية الى بيروت، فتم الأمر «كيفما كان»، وبعد استبعاد مجلس الوزراء فكرة التعاقد مع شركة «كرول» الاميركية للتدقيق المالي الجنائي في حسابات مصرف لبنان، لاعتبارات أمنية تخص علاقتها بالعدو الإسرائيلي، تم الاتفاق على تكليف شركة «ألفاريز آند مارسال» بعد اقتراح من وزير المال غازي وزني، لكن المفارقة ان وزراء الثنائي الشيعي عماد حب الله، وحمد حسن، وعباس مرتضى، تحفظوا عن الشركة التي تم اختيارها، وصوتوا بأوراق «بيضاء» بسبب عدم تأكيد عدم صلتها بـ«إسرائيل»، وفي وقت ستتقاضى الشركة مليونين و220 ألف دولار، وهو السعر الأعلى في العروض المقدمة، كانت عرض شركة «كرول» فقط  500الف دولار، مع العلم ان مدير شركة مارسال درس وتخرج من جامعة تل أبيب، ويحق له ممارسة مهنة المحاماة فيها...؟

وامام هذه المعطيات، ستنتهي زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان دون اي مفاجآت، ووفقا لاوساط ديبلوماسية في  بيروت، لم يحمل التقرير الاخير للسفير الفرنسي برونو فوشيه الى رئيس الديبلوماسية الفرنسية قبل وصوله الى بيروت اي جديد «مشجع»، فباريس التي كانت تمني النفس بأن تتزامن الزيارة مع بدء المفاوضات الجادة بين «صندوق النقد» والحكومة اللبنانية بعد إطلاق الإصلاحات الجدية، لم تحصل الا على وعود، فالمفاوضات متوقفة، وتوحيد ارقام الخسائر لا يزال محور تجاذب داخلي، وتعيين شركة للتدقيق في حسابات المصرف المركزي، لن يكون كافيا، خصوصا ان ثمة تقاطعاً فرنسياً- اميركياً على اعتبار الخطوة سياسية وتستهدف حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، وهو امر تحدث به فوشيه امام زواره... ولذلك فإن لودريان سيكتفي بنقل «رسالة» دعم وتضامن مع الشعب اللبناني مع وعود بتوفير مساعدات إنسانية، وتربوية للمدارس الفرنكوفونية... لكنه سيؤكد «بلهجة» لا تخلو من  الحدة أن باريس غير قادرة على تقديم اي مساعدة اقتصادية في غياب إصلاحات سريعة وجدية...

في المقابل سيكون الجانب اللبناني معنيا بتأكيد جدية الاصلاحات مع عرض مسهب للمصاعب والعراقيل الداخلية والخارجية، وبحسب اوساط سياسية مطلعة سيكون المسؤولون اللبنانيين معنيين بإثارة ملف العلاقة مع واشنطن التي تزيد من ضغوطها على الواقع اللبناني، وثمة رهان على موقف فرنسي يخفف من الاندفاعة الاميركية «السلبية»، خصوصا في ملف التمديد «لليونيفيل» حيث تحاول واشنطن تعديل مهام القوات الدولية، وسيكون من المهم الاستماع مباشرة الى الموقف الفرنسي الذي يتماهى مع الموقف اللبناني...

ومن خارج جدول اعمال الزيارة، طرأ ملف شديد الاهمية خلال الساعات القليلة الماضية، حيث سيبحث لودريان مع المسؤولين اللبنانيين في كيفية خفض مستوى التوتر على الحدود الجنوبية بعد الغارة الاسرائيلية الاخيرة على دمشق والتي ادت الى استشهاد احد عناصر حزب الله، في خرق واضح «لقواعد الاشتباك» التي أرساها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله بإعلانه الصيف الماضي أن المقاومة سترد حتما على كل اغتيال يتعرض له اي عنصر من حزب الله في لبنان أو خارجه... ووفقا للمعلومات، سينقل رئيس الديبلوماسية الفرنسية الى بيروت «رسالة» اسرائيلية، سبق ونقلتها السفيرة الاميركية دوروثي شيا الى «السراي» الحكومي، تفيد بعدم الرغبة الاسرائيلية في التصعيد، مع اقرار بأن الغارات لم تكن تستهدف مواقع لحزب الله في دمشق، وسيسعى لودريان الى الحصول على تطمينات بعدم ذهاب حزب الله الى الرد، او بالحد الادنى حصول «رد» لا يؤدي الى التصعيد في هذه المرحلة الشديدة الحساسية..

واذا كان الاميركيون يهولون بأن «إسرائيل» سترد على أي رد من حزب الله، يخشى الفرنسيون من تدحرج الامور نحو الاسوأ في ظل حال التخبط السائدة في «اسرائيل» واحتمال قيام رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بالهروب الى الامام  في ظل تصاعد الاحتجاجات في إسرائيل نتيجة فشل الحكومة في مكافحة «كورونا» وتفاقم الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة الناتجة منها، حيث تسود حالة من الفوضى والإحساس بالعجز وفقدان السيطرة في ظل تفجر موجة جديدة من العدوى تناهز الـ2000 إصابة في اليوم مما يدفع الحكومة للتفكير بالعودة للإغلاق التام في نهاية الأسبوع الجاري، كل ذلك  وسط حالة  من الانقسام السياسي وسط تحذيرات من احتمال اغتيال نتنياهو حيث يرى الكثيرون ان ما يحصل يذكر بالأيام التي سبقت اغتيال رئيس الحكومة الاسبق اسحق رابين.

في المقابل، لا يزال «صمت» حزب الله يشغل بال «الاسرائيليين» ويثير قلقهم، كل ما يعرفونه ان الاعلان الرسمي عن استشهاد المقاوم في سوريا يعني ان الحزب ألزم نفسه بالرد، ولذلك فان قيادة «المنطقة الشمالية»  مستنفرة، وكل الجنود والضباط هناك «وقفوا على رجل ونصف» دون دعوة صريحة من السيد نصرالله، لانهم يدركون ان المقاومة لن تقبل تغيير «قواعد الاشتباك» وهي قادرة على ذلك ولن ترضخ «للتهويل» بانزلاق الاحداث نحو حرب واسعة...