بكبرياء، ومنذ طفولتنا، كان يقال لنا «انظروا الى اللوحات التي على صخور نهر الكلب. الغزاة مروا من هنا. رحلوا وبقينا». بقينا ننتظر عند أبواب منازلنا الغزاة الآخرين...

 الآن نقول لهم اننا رصيف لكل الأمم، ولكل القبائل. ومن رعمسيس حتى رستم غزالي، وما بعد وما بعد. ما من مرة كان لبنان لبنان. لبنانان أو أكثر. اللاجئون على أرضنا، النازحون على أرضنا.

 دولة من دون ضمير سياسي، ومن دون ضمير اجتماعي، ومن دون ضمير ديني. الأديان، وكما قلنا، تحولت الى ايديولوجيات للكراهية، وللتفرقة، وللدم. لاحظتم الى أي مدى انتهى بنا الفساد. كيف لأصحاب مستودعات الدجاج، ومستودعات اللحوم، ومستودعات الأدوية، ألاّ تعلّق لهم المشانق. ما نعلمه عن بعضهم أنهم ضيوف شرف على الكنائس، وعلى المساجد، وعلى الحسينيات.

 حقاً، أي نوع من البشر نحن؟ الحكام مصاصو دماء. المحكومون مصاصو دماء. من هم الأوادم في لبنان؟ السؤال موجه الى آدم شخصياً. انتظرنا أن يرد «الموتى». قال «أنتم اللبنانيون، وأنتم العرب، من ذرية قايين. ماذا يمكنني أن أفعل لكم؟».

 سعيد عقل، استاذنا بالصلاحيات التي تتجاوز صلاحيات الأنبياء، كان يرى في الفينيقيين، آباءنا، أعمدة الأزمنة، وفي أرضنا  أرض الميعاد. قال لنا  «وفي اليوم السابع، حين استراح الله، استراح في... لبنان». حتماً، كان هناك من يحاول أن يسرق ثياب الله»!!

الفرنسيون الذين هالهم ما آل اليه حالنا، يعلمون أننا ترعرعنا على الفساد، وقد بات فلسفة حياة. ثمة رئيس جمهورية كان يشكو من أن راتبه لا يكفي حفل عشاء في الكوت دازور. الآن يفاوض هناك على فيلا فاخرة لعائلة صناعية فرنسية شهيرة.

ثمة وزير دخل حافي القدمين الى الوزارة. حالياً، قدمان من الذهب. وثمة موظف من الفئة الرابعة ترك زوجته تفاخر بأنها تقتني مائة سجادة عجمية. لكأنها هدية من كسرى أنو شروان الى زوجها المنذر بن ماء السماء.

كلنا اليوم ننظّر، بهلوانياً، في الحياد. اللغة الببغائية، الثقافة الببغائية، اياها. استعادة ساذجة للقاء الخيمة بين جمال عيد الناصر وفؤاد شهاب. اللقاء الذي اتفق فيه الرجلان على بقاء لبنان خارج الصراع بين القاهرة والرياض، وبين القاهرة وواشنطن...

في ذلك الوقت، كان هناك جمال عبد الناصر الذي كان صوته يهز الرؤوس ويهز الأفئدة ، ومن جبل الأوراس في الجزائر الى جبل صنين في لبنان، ومن أقاصي المتوسط الى أقاصي الأطلسي. عنوان «النيويورك تايمز» عن فيديل كاسترو «ناصر آخر في الكاريبي».

 لم نكن تحت الركام مثلما هي حالنا اليوم . ولم تكن نكبة 1967 قد حدثت. ظاهرة جمال عبد الناصر، بالدوي القومي، أزالت كل أثر للصراع بين السنّة والشيعة.

في الوقت الحاضر، كلنا دون استثناء، فتات طائفي، وفتات مذهبي. الاله الأميركي (الذي هو الهنا) استهلك السـنّة حتى العـظم، واسـتهلك الشيعة حتى العظم. ماذا تبقى من السنّة العرب، وماذا تبقى من الشيعة العرب!

 حطام يراقص الحطام. هكذا الى يوم القيامة اذا بقينا، بقضنا وقضيضنا، رهينة الثقافات الميتة، والأزمنة الميتة، والولاءات الميتة.

الحياد كلام في اللامعقول. نحن في ذروة اللامعقول. هذه مسألة أكبر بكثير، وأبعد بكثير، من تفاهاتنا اليومية. حتى على الكهرباء، وهي فضيحتنا الكبرى، لم نتفق. كيف لنا أن نتفق على مفهوم الحياد، وعلى آليات الحياد، ونحن اما في الخنادق، أو في الكهوف، ويقودنا رجل تائه بين ليل الثريات وليل الغانيات؟

نصفنا باع الدولة لياسر عرفات. نصفنا الآخر باعها لآرييل شارون. عن أي دولة نتحدث لندعو الى الحياد؟ الحياد بين من ومن؟ بين أميركا و... أميركا!!