لا نأتي بجديد عندما نقول أن الدولة اللبنانية ليست خاضعة لإدارة واحدة وإنما لعدد من السلطات تتصرف كل منها في مجالات الحكم كما لو كانت هي السلطة. تكاد هذه الظاهرة أن تكون ملموسة في كافة القطاعات، بدءاً من القطاع الأمني وانتهاء بالقضائي ومروراً بالمالية والاقتصاد والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية . تحولت الدولة خلال الخمسين عاماً الماضية إلى أخطبوط بعدة رؤوس ولكنه بلا أذرع خِدْماتية. استولت المصارف على أموال المودعين وأمسكت حيتان الحرب بالأسواق وراجت تجارة الأطعمة الفاسدة. يغرق الناس في عتمة الليل، فلقد تعطلت معامل شركة الكهرباء وتوقفت مولدات القبضايات، يمشون في النهار بين أكوام القمامة وإن تمكن المرض من أحدهم وقفوا أمام أبواب المستشفيات.

لا نجازف بالكلام أن الضوضاء مرتفعة. كل رأس من رؤوس السلطة ينطق بلغة. يخيّل إليك أن أهل لبنان يتصرفون كما لو كانت بلادهم على كوكب سابح في الفضاء إسمه لبنان. فتعجب كيف أن بعضهم لا يأخذ بعين الإعتبار أن خلف حدود البلاد الجنوبية مع فلسطين توجد دولة «إسرائيل» التي أعلن زعماؤها انها «دولة قومية للشعب اليهودي». هذا إنذار بأن موجات جديدة من الفلسطينيين سيخرجون من بلادهم، لأن «الدولة القومية» هي للشعب اليهودي حصرياً. ناهيك من أن الأمر لا يقتصر في أغلب الظن على المسألة السكانية وإنما هناك إشكال حول حدود هذه الدولة القومية التي يجب أن تمتد في نظر التيارات الصهيونية المتطرفة من النيل إلى الفرات.

إن بعض المقربين من الولايات المتحدة الأميركية ووكلائها في المنطقة، يطالبون بأن تتخذ السلطات في لبنان موقف الحياد بين «إسرائيل» ومن؟ منحازون يطالب غيرهم بالتزام الحياد. مهما يكن فإن الحياد يتطلب بداهة ألا يكون بين لبنان من جهة و«إسرائيل» من جهة ثانية قضايا متنازع عليها. حتى لا يكون موقف الدولة حيادياً بين «إسرائيل» وبين اللبنانيين أو على الأقل بين جزء منهم.

ولكن التسليم بأن رؤوس السلطات في لبنان لا تتبع يا للأسف المنطق الذي اتبعه ميشال شيحا، الذي كتب في سنة 1947 «تعيش إسرائيل الحلم المدهش بإنشاء مملكة تصل إلى حدود الفرات وتجمع ما بين «أور» في أرض الكلدان وأورشليم. إن مشاريعها هي مشاريع إنشاء إمبراطورية. إن هذا المشروع لن يعرف التوسع المأمول إلا بمروره على جسدنا».

لا يمنعنا من مطالبة دعاة الحياد بتوضيح مفهومهم للحياد، لا سيما أن «إسرائيل» كانت المبادرة في كل مرة إلى إشعال الحرب في المنطقة. فلبنان لم يبادر على حد علمنا إلى مهاجمة قوات العدو الإسرائيلية في فلسطين المحتلة. بل العكس هو الصحيح. فأجواءه ومياهه مستباحة وأرضه محتلة، ولا ننسى أن القوات الإسرائيلية غزت في سنة 1982 بلادنا واحتلت بيروت. فما يعني إذا حياد لبنان؟

ووضعا للأمور في نصابها الصحيح، ودون مواربة، يجب الإعتراف بأن مطلب الحياد في لبنان هو في لبه، خدعة، بل مرادف «للتطبيع» على طريقة السلطة الفلسطينية. فلا يجوز صدقاً وأمانة أن نُغفل أن النظام الطائفي الذي حال دون اتخاذ موقف وطني موحد في مواجهة الغزو «الإسرائيلي» في سنة 1982، ثم في معالجة احتلال الجنوب، وأن نمحو من الذاكرة ما جرى في حرب تموز 2006. ففي الحالتين ساعدت الدولتان السورية والإيرانية في حرب تحرير الأرض ثم في حرب الصمود. إذا كان مطلب الحياد يعني التنكر للذين قدموا للناس الدعم ضد المحتلين والتخلي عن الوسائل الموجودة بين أيديهم من أجل ردع العدوان، فإن هذا المطلب مثير للسخرية، بالإضافة إلى أنه لا يعبر عن نيات سليمة لدى أصحابه، فهو الدليل القاطع على أنهم ليسوا حياديين!