لا نتصور أن جان ـ ايف لودريان لم يقرأ قول ريجيس دوبريه «ما دامت أميركا هناك، مفهوم السيادة أن يكون لك الحق في أن تضاجع... ذبابة».

لا نتصور ايضاً أنه نسي قول فرنسوا ميتران «يريد منا رونالد ريغان أن نذهب الى حيثما يذهب حذاؤه»!

وزير الخارجية الفرنسي قال من بكركي «لا سيادة من دون حياد». الحياد بين مَن ومَن؟ يعلم من حوّل الشرق الأوسط الى مستودع للحرائق. أين هي جدراننا العالية؟ حتى الجبال جعلنا منها مقابر للهواء؟ من زمان، قال الفرنسيون أن لبنان يحتاج الى القامات العالية. حتى في فرنسا كتب اريك رولو «منذ أن غادر شارل ديغول لم تعد هناك أبواب عالية في الاليزيه...».

من القلب نقول «فرنسا العزيزة». ليس صحيحاً أنها تعشق لبنان فقط من أجل الموارنة الذين وصفهم الملك لويس التاسع (القديس) بـ«فرنسيي الشرق». ثمة افتتان تاريخي بلبنان. مرة أخرى، وأخرى، ذاك السفير الفرنسي الذي قال «لبنان ينتج اللبنانيين». أولئك اللبنانيون الذين ألقى بهم بارونات السلطة على أرصفة النسيان، وعلى شواطئ الرحيل. لا مكان الا للقهرمانات في تلك الـ«جهنم الخلابة»، كما وصفها دوغلاس كنيدي.

ليقل لنا جان ـ ايف لودريان كيف يكون لبنان حيادياً. هل فرنسا حيادية، وهل يمكن لأي ادارة أميركية أن تدع فرنسا تتولى صناعة سياساتها بعيداً عن وصاية البيت الأبيض على القارة العجوز؟

على الأرض السورية، لاحظنا كيف أن فرنسا، ولكي يكون لها موطئ قدم، اضطلعت بدور الظل لدونالد ترامب. التعاون في ذروته مع تركيا، ومع دول عربية تدار بخيوط العنكبوت، من أجل تقويض النظام هناك. لا نعتقد أن الاستخبارات الفرنسية لم تكن تعلم برغبة رجب طيب اردوغان في اعادة دمشق ولاية عثمانية.

ماذا استطاعت فرنسا أن تصنع حين كانت «اسرائيل» تجثم على أرضنا لنحو عقدين من الزمان، ودون أي مبرر على الاطلاق بعدما حققت هدفها تدمير الآلة العسكرية لمظمة التحرير الفلسطينية؟ وماذا استطاعت فرنسا أن تفعل حين كانت الفصائل البربرية على سفوح السلسلة الشرقية وتعدّ لتحويل لبنان الى ولاية من ولايات «الخلافة»؟

نحن الذين فعلنا، ونحن الذين طردنا، بدمنا، كل الأقدام الهمجية. الآن ندفع ثمن ما اقترفته أيدينا، وكان يفترض بنا أن نكون الجواري في هذا الحرملك أو ذاك...

لا سيادة في لعبة المصالح، وفي صراع المصالح. فرنسا قادت الحملة، وتحت المظلة الأميركية، لازاحة معمر القذافي. القذافي اياه الذي كان ينصب خيمته في فناء الاليزيه ما دام يملك النفط والمال. ها هو اردوغان يفعل بالفرنسيين، وبالعرب، في ليبيا، ما فعله بالفرنسيين، وبالعرب، في سوريا.

فرنسا هددت بضرب النظام في سوريا ان ثبت أنه استخدم الكلور. يا للكوميديا الأخلاقية! متى كان هناك ثمن، في الغرب، لتلك الخردة البشرية التي تدعى العرب؟ للذكرى فقط. فرنسا كانت تجري تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية. حتى الآن ما زال هناك من يسقط ببقايا النظائر المشعة...

بالرغم من ذلك، نحن المفتونون بالثقافة الفرنسية، وبالمخزون الأخلاقي والفلسفي لهذه الثقافة، نقول ثانية «فرنسا العزيزة» لأنها الوحيدة التي تعلم أننا لم نكن، ولن نكون ايرانيين، ولو توقفت الكرة الأرضية عن الدوران، وهي الوحيدة التي تعارض السيناريو الخاص بتغيير البنية الديموغراقية، والبنية الدستورية، للبنان.

الفرنسيون يلمون بتفاصيل التفاصيل في لبنان. يعلمون أي طبقة سياسية تطبق علينا. لكنه العالم العربي، أيها السادة. لا مكان الا لأنصاف الآلهة. واقعاً... أنصاف الذئاب!

جان ـ ايف لودريان، الآتي من رئاسة بلدية لوريان، يعلم أن الديبلوماسي يختار كلماته بدقة، حتى ولو كانت الكلمات الملتبسة. لا الكلمات العرجاء، ولا المواقف العرجاء. ليوضح لنا ما تعنيه عبارة «لا سيادة من دون حياد». ماذا تعني السيادة، وماذا يعني الحياد؟ ألسنا جزءاً من ذلك الشرق الأوسط الذي حتى العالم الآخر فيه مبرمج على الساعة الأميركية؟

نحن وانتم، «مسيو» لودريان، في الطبق الأميركي. كل قول آخر... هراء!!