لا شيء يوحي او يؤكد ان الحكومة ومعها كل القوى السياسية المشاركة فيها والتي خارجها تطمح بالفعل لاقرار اصلاحات جذرية، مالية ونقدية واقتصادية واجتماعية وادارية، ليس لامر معين، بل لان كل قوة سياسية وحزبية وهيئة اقتصادية او مالية ومصرفية، لها رؤيتها وتوجهاتها التي تختلف بنقاط اساسية عن الاخرين، عدا عن وجود تناغم يريد الهروب مما هو مطلوب للخروج من الانهيار ووضع البلاد على طريق التعافي مما بلغته ووصلت اليه.

فكشف المستور عن كل هذه الطبقة التي سببت الانهيار ومصرة على اخذ البلاد نحو الهاوية يفترض ويحتاج كما يقول خبير مالي - اقتصادي، الى مطولات، رغم ان كشف هذا المستور يتطلب تكليف عشرات المؤسسات الدولية لاجراء تحقيق جنائي بالدور الذي قامت به كل جهة معنية بالفساد ونهب المال العام وعلى كل المستويات، على غرار تكليف شركة تدقيق جنائي للقيام بعمليات البحث في حسابات مصرف لبنان، فهذا القرار - التكليف رغم اهميته يبقى ناقصاً، اذا لم تعمل الحكومة لتوسيع التحقيق بعمليات الصرف التي حصلت في كل مؤسسات الدولة صغيرها وكبيرها، ومعها عشرات المؤسسات الخاصة الكبرى من المصارف الى كل كارتيلات الاحتكار وكارتيلات وضع اليد على املاك الدولة، ومعها عشرات المرافق المعنية، الى كل انواع الصفقات، ومن غير ذلك، يبقى التحقيق الجنائي في عمليات الصرف بمصرف لبنان مسألة جزئية، وما سيفضي اليه التحقيق سيبقى حبراً على ورق، طالما ان الطبقة السياسية ومعها كل كارتيلات المال والمصارف والاحتكار والنهب ترفض الاصلاح وتضع نفسها خارج المساءلة، وخارج المسؤولية عن الانهيار.

فالاتفاق في الحكومة على التحقيق الجنائي في عممليات مصرف لبنان لا يعني وجود رغبة من الطبقة السياسية والكارتيلات المتحكمة برقاب اللبنانيين السير بالاصلاح الجدي والحقيقي، بل ان المعطيات تؤكد ان قرار تكليف شركة دولية حصل تحت ضغط الازمة المالية والنقدية وتحت ضغط الالحاح الدولي وبخاصة صندوق النقد وغيره لبدء الحكومة بالاصلاحات، رغم ان الجهات المعنية جميعها لا تزال بعيدة مسافات طويلة ليس عن الاصلاح الذي تفترضه عملية الخروج من الازمة، بل من ما تطالب به الجهات الدولية التي تعد لبنان بالمساعدات في حال التزامه اجندة محددة من الاصلاحات، وهو الامر الذي تحدث عنه كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي واشار اليه وزير الخارجية الفرنسي ايف لودريان خلال زيارته لبيروت.

واذا كان انكار الاصلاح الجدي الذي لا بديل عنه اليوم هو السمة التي تجمع بين كل القوى السياسية ومختلف كارتيلات المال والاقتصاد وكل الذين استفادوا ولا زالوا من تقاسم المال العام ونهب ثروات اللبنانيين، فان ما يؤكد استحالة حصول الاصلاح ليس فقط غياب النية والارادة لدى الطبقة السياسية وكل المعنيين في الدولة والمؤثرين في قراراتها، من مجلس النواب الى الحكومة وباقي القطاعات المقررة، بل تحول كل طرف وفريق من هؤلاء وخارجها الى «دولة» داخل الدولة بهدف اسقاط اي خطوة اصلاحية مهما كانت بسيطة وجزئية، اذا لم تتناسب مع مصالح هذا الطرف او ذاك «الكارتيل» وهو الامر الذي تظهر مؤشراته واضحة ولا شكوك حولها في تعاطي المصارف عبر جمعيتها والتي لها دورها وفعاليتها في قرارات المصارف وجمعيتها، وهؤلاء يتوزعون على «مروحة» واسعة في الداخل والخارج، وفي طليعة هؤلاء قوى سياسية اساسية مشاركة في الحكومة واخرى خارجها الى جانب حيتان المال وكل كارتيلات الاقتصاد والاحتكار والذين جمعوا ثروات ضخمة من المال العام.

فالمماطلة والتمنع عن السير بالاصلاح الفعلي من كل منظومة السلطة السياسية والكارتيلات التي تتحكم برقاب اللبنانيين وكما يقول الخبير المالي هو نفسه الذي يغطي منظومة اصحاب المصارف، حيث اصبحت الاخيرة اكبر من الدولة والدستور والقوانين ولا احد يسمع او يرى من داخل السلطة السياسية ما تقوم به المصارف من سياسات وخطوات تدفع سريعاً نحو افقار ما تبقى من لبنانيين، واولها عبر سرقة اموال المودعين، ولذا يلاحظ الخبير المالي  - الاقتصادي، ان سياسة «الكمائن» التي باتت السمة الوحيدة لاصحاب المصارف في وجه الحكومة - بغض النظر عن تباطؤ الاخيرة وعجزها في كل ما قامت به وتقوم به - ولو ان هذه «الكمائن» ما كان اصحابها يتمادون لولا تغطية وتشجيع من قوى سياسية مختلفة ومراجع سياسية ودينية وكارتيلات متعددة، وعلى هذا الاساس يشير الخبير المعني الى جملة واسعة من الخطوات الممعنة في محاولة الابقاء على نظام النهب الريعي، بل ومحاولة «وضع اليد» على ما يفترض اتخاذه من اجراءات عملية لتمويل الخزينة، واعادة بعض من اموال المودعين الصغار، من اكثرها خطورة.

- الامر الاول: امعان اصحاب المصارف بسرقة اموال المودعين والمغتربين وكل من يريد تحويل حتى مبالغ بسيطة لاعانة اهله او عائلته بغطاء واضح دون لبس فيه من السلطة السياسية والجهات المالية والنقدية الرسمية. وهذا النهب المغطى بتعاميم من مصرف لبنان وبقرارات تعسفية من اصحاب المصارف يتجاوز ذلك الى استمرار بعض المصارف بتهريب مبالغ كبيرة بالدولار للخارج وهو الامر الذي اقر به وزير المال قبل ايام، الى مشاركة بعض المصارف او مدراء داخلها بعمليات المضاربة على الدولار، الى ابتزاز من يملك شيكاً مصرفياً بالدولار وصرفه بمبلغ نقدي اقل بكثير من قيمته على الشيك، ويشير الخبير المالي الى ان الابقاء على اكثر من سعر للدولار، وعدم تحرك الجهات المعنية في الدولة من مجلس النواب الى مجلس الوزراء فاقم ووسّع من نهب اموال المودعين خاصة الصغار وكل لبناني مهما كانت حاجته للدولار.

- الامر الثاني: الرفض المطلق من اصحاب المصارف لاعتماد «الهيركات» على الاثرياء، او حتى على الذين تحوم حوله شبهات بنهب المال العام، بحيث رفض رئيس جمعية المصارف سليم صفير اي هيركات على الودائع والمقصود الودائع الكبيرة والمضخمة.

وما ساهم في تشجيع اصحاب المصارف على  التمسك بهذا الموقف الرافض هو «الميوعة» من جانب السلطة السياسية بعدم الاسراع في اقرار قانون يلزم اعتماد «الهيركات» على اصحاب الثروات الكبيرة، بل ان هناك مراجع حالية وسابقة متفقة على المماطلة في اي اجراء بهذا الخصوص، رغم مطالبة صندوق النقد الدوليي بذلك بما في ذلك داخل مجلسي الوزراء والنواب.

- الامر الثالث، يطلب اصحاب المصارف برفض الجزء الاكبر من خطة الحكومة للتعافي المالي والاقتصادي، وبخاصة في الجزء المالي والنقدي، فبعد الرفض لارقام الحكومة حول خسائر الدولة ومحاولة المصارف التغطية على جزء كبير منها بعدم الاعتراف بهذه الارقام الكبيرة لهذه الخسائر، لجأت جمعية المصارف في الساعات الماضية الى التهديد بالانسحاب من المفاوضات مع الحكومة عبر ما اكد عليه بيان جمعية المصارف بأن عدم متابعة المفاوضات من قبل الجمعية احتمال وارد، والواضح ان الجمعية وحزبها المتوحش يرفضان «الهيركات» ويطالبان بان تكون اموال الصندوق السيادي لخدمة زيادة ثرواتها وليس لمد الخزينة وللتعويض جزئياً عن المودعين بحجة المطالبة بسد الدولة لدينها على المصارف مع هذه الديون من اموال المودعين وكذلك اصرار جمعية المصارف على قيام الدولة ببيع  اصولها العامة، اي عدد كبير من المرافق والمؤسسات والمرافئ للهروب من اي مسؤولية او مساهمة في الانقاذ وتحمل الخسائر.

وكل هذه المعطيات والمعلومات عن ترابط مصالح منظومة الفساد بكل تجنياتها الى جانب عوامل اخرى داخلية وخارجية تفضي الى عدم التفاؤل ببعض المؤشرات الايجابية التي يتم الحديث عنها، بل ان ما حصل في الايام الماضية لا يزيد عن استراحة المحارب الى جانب تلبد اجواء المنطقة واحتمال اشتعال حرب اقليمية واسعة.