ما يحدث الآن محاولة للدخول الى لبنان الآخر. لبنان المائة عام الى مثواه الأخير...

المتاهة... ما دامت الضبابية قد أحاطت بظروف اقامة «دولة لبنان الكبير»، وما دامت محادثات قاعة المرايا في قصر فرساي قد شهدت خفايا تثير الذهول ان لم تكن تثير الصدمة، وصولاً الى «الميثاق الوطني»، وهو و واقعاً، «الميثاق الطائفي» الذي بقي يتثاءب الى أن وقع انفجار 1958. دعونا نخلع الأقنعة الزجاجية ونتكلم...

أي كلام حين تستشري لغة الغرائز، ولغة التبعية. في ذروة الجدل العبثي حول حياد لبنان، يسأل سياسي ماروني عتيق أين كان نجوم المارونية، بالجناحين السياسي والروحي، لدى توقيع اتفاق القاهرة واحلال دولة ياسر عرفات محل دولة شارل حلو؟

السياسي العتيق سأل بين الهيستيريا الايديولوجية لدى الايرانيين والهيستيريا الاستراتيجية لدى الأميركيين، قد يكون الحل في الحياد، ولكن متى احترم «الاسرائيليون» بالنصوص التوراتية المواثيق، والقرارات، الدولية ؟ الجنرال (والوسيط) الأميركي الجنرال أنطوني زيني تحدث عن «القرارات التي اعتراها الصدأ» ؟

كيف يمكن أن يكون الحياد مع «اسرائيل» التي تصف لبنان بالخطأ التاريخي، وهي التي تسعى، داخل الدولة العميقة في الولايات المتحدة، الى احداث تغيير دراماتيكي في الصيغة اللبنانية، كما في الرؤية اللبنانية ؟

الكاردينال الراعي يعلم أن السياق الذي تأخذه الصراعات الدولية، والصراعات الاقليمية، لا يمكن أن يساعد على تكريس حياد لبنان، أو حتى على الدعوة الى حياد لبنان.

بمنأى عن المواقف البهلوانية، وسواء في الأروقة السياسية أم في الأروقة الديبلوماسية، حياد أي دولة له آلياته وله ظروفه الجيوسياسية والجيوسترتيجية.

حياد سويسرا لم يهبط من المدخنة. الارادة شبه الجماعية تداخلت مع مسيرة بدأت مع انتصار فرنسا على سويسرا في معركة مارينيانو، عام 1515، ثم معاهدة وستفاليا 1648، وصولاً الى مؤتمر فيينا، عام 1815 ، وحيث كان الكلام الفذ لميترنيخ وتاليران.

الهاجس التاريخي للبطريركية المارونية الآن هو «وضع المسيحيين داخل الحالة اللبنانية». أحد كبار المطارنة قال لنا «أنظر الى القادة الموارنة، وهم يتقاتلون على الكرسي الرئاسي. الشكوك تساورنا ما اذا سيكون هناك رئيس ماروني بعد انقضاء عهد الرئيس ميشال عون».

وقال «نحن نتوقع ما هو اسوأ بكثير من المثالثة. لاحظ الى أي نقطة «انتهى الاستقطاب الطائفي في المنطقة، من أنقرة الى طهران مروراً بالرياض. لا أحد يدري الى أين يمضي بنا ذلك الاعصار. من حق البطريرك أن يرفع الصوت. المسيحيون في خطر. لسنا ضيوف شرف على لبنان، ولن نغادر ونترك السيد المسيح وحيداً».

وشدد على «أننا الاساس في اقامة الدولة اللبنانية حتى اذا ما أخفقت هذه الدولة، وكانت في الطريق الى التلاشي، يفترض أن يكون هناك خيار وجودي للمسيحيين».

حياد لبنان خيار سريالي بسبب الاختلال البنيوي في العلاقات الدولية وفي العلاقات الاقليمية. هو محاولة لاثارة وضع المسيحيين أمام الرأي العام الغربي. الفرنسيون لم يعلقوا حتى الآن، ويعتبرون أن الفصل بين قضية المسلمين وقضية المسيحيين يعني نهاية لبنان. الأفضل ألا يترك المسيحيون يراقصون المستحيل...

ليت الأميركيين يقبلون بالتعايش مع الايرانيين على الأرض اللبنانية كما هي الحال في العراق. ثمة آراء تقول ان صواريخ حزب الله أدت الى «تحييد» لبنان، في حين أن سوريا منشغلة بأزماتها التي قد يستغرق حلها عشرات السنين، وان كانت خطط تحرير مناطق ادلب ودير الزور على الطاولة. كل شيء ينتظر خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض.

الأميركيون يرون الحياد هكذا. ضد سوريا (وايران) مع «اسرائيل». هنا جوهر المشكلة. «الاسرائيليون» اعتادوا على اللجوء الى الحروب لأنها تفتح أبواباً كثيرة، وتغلق أبواباً كثيرة. الحرب أكثر من أن تكون مستحيلة...